أدبني ربي

أذكر أيام صغري ، أن أبي أبقاني مرة فى مسجد بالسويس بعد العصر لنقرأ ما تيسر من القرءان، و ذهبنا لرف المصاحف ليختار لنا مصحفين مصريين ، حيث أنه لم يعودنا على رسم المصاحف السعودية المنتشرة فى المساجد بكثرة و التى يضعها العائدون من الحج كنوع من الصدقة الجارية.

السبب فى اختيار المصاحف المصرية هو أن نتعود على رسم معين للمصحف لكى يكون أسهل فى تذكر الآيات ، فتقول أن تلك الآية فى منتصف الصفحة اليسرى مثلاً ، فى حين أن المصحف ذو الرسم السعودى قد تكون نفس الآية فى مكان مختلف.

تركني أبي مع المصحفين، تحت ذلك العمود الذي يظهر في الصورة بالأعلى، و ذهب ليقوم بشئ ما ، لا أذكره على وجه التحديد ، ربما كان قد ذهب ليتوضأ… . فتحت أحد المصحفين لأقرأ فيه قليلا إلى أن يأتي أبي.. و سمعت بعدها بقليل صوت أطفال فى سني و ربما بينهم من كان اكبر مني سناً وقتها، قد اتخذوا جانباً من المسجد حول شاب وضئ الوجه يزينه بلحية بُنـّية جميلة، ذى لباس أبيض نظيف، يستند إلى حائط المسجد و يبدو أنه هو شيخهم الذي يحفظهم القرءان.

تناهت إلى سمعي أصواتهم المتعثرة فى قراءة القرءان، ربما كانوا يقرءون سوراً قصيرة من جزء عمّ .. نظرت إليهم للحظات ، ثم عدت بنظري إلى مصحفي و أنا آخذ نفساً عميقاً و يكاد يملأني الزهو إذ أننى في مثل عمرهم ، غير أنني احفظ أكثر منهم ، و قراءتي أفضل منهم ، و صوتي اجمل منهم ، و قد أثنى علي من شيوخ المساجد فلان و فلان ، و من المعلّمين فلان ، و لقد أعجب بقراءتي فلان و …. !.

استفقت على صوت رقيق لأحد الأطفال ، ينظر إلى و يقول إن الشيخ فلان (يقصد الشاب الذي كان يحفظهم) يقول لك أن ترفع المصحف من على الأرض احتراماً لكلام الله!! .. .

تجاوزت ببصري ذلك الطفل و نظرت إلى الشاب لأجده رافعاً نظره بالكاد من على المصحف الذي كان يقرأ فيه لينظر الطفل الذي جاءني، و باقي اهتمامه و حواسه مع الطفل الذي يقرأ عليه حفظه لهذا اليوم، فى إشارة لعدم الإحتفاء بي على الإطلاق. يا الله ! ، كيف غاب عنّي أنني تركت مصحف أبي على الأرض؟؟! شعرت بأن قلبي قد سقط من مكانه…

و مضى الطفل قافلاً إلى شيخه و مضيت أمزق نفسي و أنا أرجو أن تنشق سارية المسجد من ورائي فتبتلعني،… كيف تغفل عن هفوة كتلك لا يقع فيها الجاهل الأمي ، كيف تغفل عن المصحف الذي ما فتأت تمجد نفسك به علي هؤلاء الصبية ، و والذى رفع السماء إنهم لخير منك ، إذ أنهم جميعهم إما واضعين مصاحفهم بين أكفهم او على أفخاذهم. ألست أنت الذي أوتيت حظاً من القرءان لم يؤته هؤلاء؟ ألست الذي تزعم أنك كيت و كيت ، حتى ليكاد من يسمعك ليظن أن الله اختصك بالقرءان من دون الناس؟؟!.

وددت أن لو تنشق الأرض و تلتقمني وقتها و أنا أشعر بالخزي من هؤلاء الصبية و شيخهم الشاب الذي ظننت أنه يقتحمني بنظراته . و يكاد الدمع يقفز من مقلتيّ حياءاً من ربي ، إذ بعث إلي من هو أصغر مني يعلمني ديني، يعلمني كيف أعامل كلام ربي الذي صورت لنفسي لحظة أنني قد وصلت به إلى مراتب الأولياء و الصالحين، وأن الله إنما سخر لي أباًً حاملاً لكتاب الله ليرعى تلك الموهبة الفذة التي ندر أن يوجد نظيرها!!.

حقاً من يومها و أنا أؤمن أنه لن يؤت كتابَ الله إلا من يستحقه على وجهه، لن يحمل كلام الله إلا من هو أهل له، فالله هو الذي يختاره لحمل كتابه، و عليه أن يكون هو على قدر ذلك الإختيار. لا تعط نفسك أكثر من حقها فتطغى و تستكبر بغير الحق، هذا لا يليق بعامة المسلمين فضلاً عن أهل القرءان.

غير أنني سعيد بمعية الله لي ، إذ أنه في غير مرة أستشعر فيها رعاية الله لي و تأديبه لي مرة بعد مرة ، ثم تسكينه لقلبي تارات أ ُخـَر!. شعور رائع لا يعرفه إلا من جرّبه. اللهم لا تحرمنا قربك.