اقتلوه قبل أن يتكاثر!

نسخة منقحة

مررت قبل قليل على والدي وهو يشرح لأخي بعض المسائل في الرياضيات ويلومه على تركه الأخذ بنصيحته أن يسبق المدرسة، فطالما أنهى ما درسه بالفعل وهناك وقت فراغ كبير، لماذا لم يبادر إلى سبق المدرسة ويدرس بعض الدروس مقدماً؟

وجاوزتهما إلى مجلسي أمام الحاسوب، وما كدت أجلس حتى تذكرت كيف كان أبي يربيني قديماً بنفس المبدأ “لماذا لا تسبق المدرسة؟”، وكيف أني كنت أحاول فعل ذلك، لكني تركته بعد فترة من تطبيقه، وتدنى مستوى تحصيلي واجتهادي في آخر صفين في المدرسة الإبتدائية عما كان في الثلاثة صفوف الأولى، أظن أني كنت في هذين العامين ابن ثمان وتسع سنين، وبضعة أشهر من العام العاشر.

 

ومر أمامي حينها بعض المواقف التي لا أنساها أبداً من تلك الحقبة، والتي ترتبط ارتباطاً مباشراً بنصيحة أبي، فمثلاً كنا في معمل العلوم في الصف الرابع، وكان المعلم يختبرنا في حل أسئلة على درس ما من كتاب التمارين، يقف الطالب ليحل سؤالاً ثم يجلس ويقوم من بعده، وهكذا.

وكنت أجلس في آخر المعمل، وقررت أن أستغل الوقت الذي سيمضي قبل أن يأتي دوري في التقدم في حل الأسئلة بنفسي داخل الكتاب، بدلاً من تسجيل ما يقوله زملائي، فبدلاً من اختبار تحصيلي في سؤال واحد فقط، فأنا أحل كل الأسئلة بنفسي، وإن أتى دوري فسأجيب عن السؤال وقد حللته أصلاً.

لكن ذلك أفقدني الإنتباه لمن حولي ولمرور الدور بين الطلاب، حتى إذا أتى دوري لم أكن أدري في أي سؤال هم!، ونظرت إلى كتابي سريعاً وأنا أقوم فألفيت نفسي قد أجبت عن أغلب الأسئلة، فلم يكن ليسعفني أن أنظر في أي مكان توقفت، فاخترت سؤالاً وأجبت عنه.

ولقدري، فقد كان هو نفسه السؤال الذي أجابه الطالب الذي سبقني، فاستدعاني المعلم إليه وضربني ضربة شديدة على ظهري متهماً إياي باللهو والإنصراف عن الدرس!، لا زلت أذكر تلك الضربة وذلك المعطف الذي كنت أرتديه في ذلك اليوم كما لو كان يحدث أمامي الآن.

أنا أعرف أني أخطأت لما انصرفت إلى حل الأسئلة دون الإنتباه أننا في عملية جماعية، وأن علي الإنتباه لرفاقي ولدوري بينهم. لكن من ناحية أخرى، لم يكن عليه أن يصل إلى حكم سريع بأني لم أكن منتبهاً لأني انصرفت إلى اللعب، فكان الأولى له أن يسألني عن سبب شرودي عن الصف، فربما لدي مشكلة ما يجب علاجها، حتى لو كانت انصرافي إلى اللهو، فهي مؤشر أن هناك شيئاً خاطئاً ويجب النظر في حله.

 

ثم تذكرت موقفاً آخر في العام الذي يليه، أي في الصف الخامس، مع معلم آخر كانت لي معه صولات وجولات نسيت أغلبها وذكرها أًصدقائي زمناً بعد الإبتدائية، فلعل ذلك الموقف الذي سأذكره الآن كان نتيجة لآثار المعارك التي كانت تدور بيني وبينه.

فقد كان يدرس لنا اللغة العربية والتربية الدينية، وبرغم كونه “معلم لغة عربية”، فلم يكُ يحسن نطق الكلمات بشكل سليم، فكان يرفع المنصوب ويضم المكسور، وكنت إذ ذاك لا أتحمل أن أراه يخطئ في هجاء كلمة ثم يأمرنا بترديدها خلفه بصورتها الخاطئة، فكنت أوقفه وأقول له “يا أستاذ!، إنها كذا ..”.

ومرة بعد مرة ضاق بي ذرعاً، فصارت كل هفواتي جرائم عظيمة لا تغتفر، وكل تصحيح يعقبه رد في رسالة مسجلة بأن له خمساً وعشرين سنة في التربية والتعليم، وأني لن أعلمه كيف يدرِّس!، غير أن ذلك لم يك يثنيني قيد شبر عن تصحيح خطئه مرة بعد مرة.

وكان لا يعجبني أن يخطئ في تلاوة القرءان أثناء درس التربية الدينية، فأوقفه عن التلاوة لأصحح له ما يقرأ، وأسمع نفس الرسالة المسجلة مرة بعد مرة، يعقبها في بعض الأحيان توبيخ شديد وضرب مبرح، وصل مرة إلى إزاحتي للخلف واصطدامي بمكتب لتلميذة معنا في الصف، رفعت رأسي بعد الإصطدام إلى وجه الفتاة في حياء ممزوج بالغضب، ثم رجعت برأسي إليه لأسمع باقي التوبيخ.

 

وإن نظرت للأمر من وجهة نظره، كمعلم في مدرسة ابتدائية، عمره خمسة وأربعون عاماً، ويعمل بالتدريس منذ ربع قرن، ويأتي بعد كل ذلك غلام في التاسعة من عمره، طوله بضعة أشبار!، ليستوقفه أثناء شرحه ليقول له أنت مخطئ!، وذلك كل درسين أو ثلاثة خلال العام!….

إن رد فعله كان منطقياً للغاية في نظري، فلم أحسن السبيل لنصيحته، وقد أخبرني أبي أن إذا رأيته يخطئ فلأنتظر إلى نهاية الحصة وأخبره بخطئه على انفراد خارج الصف، لكني لا أذكر التزامي بتلك النصيحة طويلاً.

وفي إحدى حصص اللغة العربية كنا نحل في كتاب التمارين أيضاً، مثل حادثة الصف الرابع التي ذكرتها قبل قليل تماماً، وسبقت أنا بقية زملائي في الحل حتى أنهيت مسائل الدرس أو كدت، ومر إذ ذاك بجانبي هذا المعلم، وانتزع الكتاب من تحت يدي لينظر فيه بتجهم شديد، ثم نهرني بشدة مستنكراً “هل تحل التمارين في البيت؟!!”.

 

ألجمني سؤاله الغريب فلم أحر جواباً، فإن هذه التمارين أصلاً موضوعة لكي نقيس مستوى تحصيلنا للدرس، ومن الطبيعي أن نحلها في المنزل، بل إن الغريب في نظري هو الذي يفعله الآن من أمره إيانا بحلها واحدة تلو الأخرى أمامه، لكني على أي حال حللتها لتوي، فنفيت ما قاله وأخبرته أني حللتها لتوي في الفصل، فكذبني وطلب من زميلي الذي يجلس بجنبي أن يذهب بي إلى ناظر المدرسة ليرى أمر ذلك الطفل الشقي الذي اجتهد وحل تمارين الدرس في المنزل!!!.

نظرت إلى زميلي الذي سيأخذني إلى الناظر فوجدت الدم قد احتبس في وجهه من الضحك على سفاهة المعلم، حرفياً، فزميلي هذا يصبح وجهه قطعة حمراء حين يضحك، وجعل يفيق من نوبات ضحكه ليخبر المعلم أنني حللتها أمامه داخل الفصل، وجعل المدرس يستوثق منه، فلما رأى ورقته انقلبت عليه “إثبات زميلي أني حللت التمارين في الفصل أمامه”، أخبرني أن أجلس.

وجلست في ذهول شديد وأنا أنظر إلى وجه زميلي الذي لم يتوقف عن الضحك، وأنظر إلى الكتاب، ثم إلى المعلم، كان موقفاً يبعث على الجنون. ولم تكن تلك آخر المرات التي دارت بيني وبينه معارك مثل هذه، ولم ينته الأمر إلا بانتقالي من المدرسة إلى المستوى الإعدادي.

وأظن أن الأمر تفاقم حتى وصل إلى مديرة المدرسة، فإني أذكر أنها استوقفتني يوماً على بوابة المدرسة لتخبرني أنها تستطيع نقل ذلك المعلم وإبعاد شره عني إن أخبرتها أني أريد ذلك، فرفضت متعللاً بأنه معلمي على أي حال، ولم أكن لأفعل هذا به.

 

بالله هل تظن أن أحداً قد يستمر في نظام تعليمي إذا مر بحوادث مشابهة؟ إن لي زميلاً ترك الدراسة بالكلية في أول سنة في المدرسة الإعدادية “المتوسطة” بسبب معلم رياضيات كان يضايقه بمزاح ثقيل!، نعم .. ترك الدراسة.

ولكي تتخيل مدى ثقل ذلك المزاح، فإن ذلك المعلم كسر لي ضرساً بعد سنتين من ترك زميلي ذلك للمدرسة، أي في سنتي النهائية في المدرسة الإعدادية، حين مر بجانبي وأنا أحل مسألة فأراد أن يمزح معي بلي رأسي بعنف، فلما ثبتّ رأسي تحرك فكي الأسفل وكُسر أحد أضراسي!.

أنا لا أدري كيف أبقى الله حب العلم في نفسي برغم كل ذلك، لكن على أي حال فإن بعض زملائي لم يتحملوا الأمر كما قلت، ربما لهذا نجد الطلبة تتسرب من التعليم، وإلا فليخبرني أحدهم لماذا قد يهرب طالب من المدرسة إن كان يحب العلم؟.

على أني لا زلت أحمل الإحترام لأولئك المعلمين الذين آذوني، فغالباً ما أجد لهم مبررات وأحمل تصرفاتهم على أحسن محاملها، فلعله ما يعرفونه، ولعلها الطريقة التي يظنوها صائبة، ولعلها طريقته في المزاح، إلخ. وللمفارقة فإني حين كنت أزور مدرستي الإبتدائية وأجد معلم اللغة العربية يدرس لصفي القديم حيث درست سنتي الخامسة النهائية به، وحيث كانت لي معه مناوشات وجولات، أجده يرحب بي أمام الأطفال ويشيد بي أمامهم كتلميذ نجيب يفتخر أنه خرج من تحت يده.

 

إنني أتخيل تلك الأحداث من حياتي في عالم آخر، لربما كنت سأكرر سيناريو إيتاتشي وأتخطى بعض المراحل التعليمية ما دمت أتقنها ولا أحتاج أن أصطدم بمعلم أحمق قد يبغِّضُ إلي ما أحب!. وإني أكتب هذه الخاطرة من أجل هذا الهدف، من أجل أن أتذكر فعل ذلك لولدي من بعد، فإني لا أريد إلحاق أولادي بهذه النظم الغبية ما استطعت، فلا أضمن أن يتحمل أولادي غباء معلم وفظاظته.

إنني أظن أن تلك الحوادث التي مررت بها في الإبتدائية كان لها أثر في تركي للإجتهاد في الدراسة، وإن كنت لا أعده عذراً لنفسي، لكني أذكره من باب الملاحظة، فإني أعجب كيف أثّر أمر كهذا على شخص مثلي، فلم أكن أظن أن عارضاً مثل ذلك قد يغير سيري في شئ أحبه قيد أنملة، لكن يبدو أن الأمر حدث بدون أن أشعر حتى، بل بدون أن أدرك الأمر حتى بعد كل تلك السنين.

 

ليت شعري هل تكون مثل تلك الحوادث هي ما يبغض النظم التعليمية التقليدية إلى نفوس شخصيات مثل INTJ و INTP؟ وإذا كان الأمر كذلك، فكيف نوفر نظماً تعليمية تلائم طباعهم وأنماط تفكيرهم؟ ربما سيبدو الأمر مبالغاً فيه إن أعددنا مدرسة لكل نمط من أنماط الشخصية، لكن على الأقل قد نعلم الأطفال الإنطوائيين بشكل مختلف عن أولئك الإجتماعيين، أليس كذلك؟

أم يكون الأمر صعباً لصعوبة تحديد توجهات الأطفال منذ الصغر؟ لكني أظن أن ما كنت أفعله أثناء المرحلة الإبتدائية هو ترجمة طبيعية لصفتي الحدس الداخلي Ni، والتفكير الخارجي Te اللتان لدى شخصية INTJ، وهما أول وظيفتين تظهران مبكراً لدى تلك الشخصية، يبدو أن الأمر سيحتاج أكثر من خاطرة وأكثر من رأي!.

 

على كل، فأنا لا أحب مثل تلك الخواطر لأنها تبدو مثل الشكوى العاجزة، وهو شئ لا أحبه، ولم أكن لأنشرها لولا أني كتبت بالفعل مقالاً في أراجيك من قبل يوضح كيف تغير الأساليب الصحيحة للتعليم من حال أمة.

يمكنك قراءة نقاش حول المقال على حسوب I/O

 

  • عبدالرحمن

    مقالاتك جدا جميله يااخي لا امل من قراءتها ، هل تستطيع كتابه مقال عن شخصيه INFJ ، اريد ان ارى مقال عن هذي الشخصيه من كتابتك .

    • جزاك الله خيراً

      للأسف لا أظن أني تعاملت مع INFJ كثيراً، ربما يفيدك هذا الطرح الذي يقدمه أبو سلطان في شكل مقارنة بين INTJ و INFJ :
      http://jwm.life/pw/?p=1331

      وهناك شرح جميل لتلك الشخصية من الأستاذ جاسم الهارون هنا:
      http://www.jass.im/si/per/16types/infj/