صورة من دفتري بها أول كلمات هذه التدوينة، باللغة الإنجليزية.

المذياع

لم تمض عشرة أيام في مركز التدريب حتى بدأت التهيئة النفسية والذهنية للجنود، عبر عقد محاضرات تفريغ وشحن لنفسيتهم وغسيل ﻷي فكرة غير مرغوبة بها، باﻹضافة إلى أن مثل تلك المحاضرات تعمل مثل كاشفات الألغام التي تظهر الجنود الذين يتوقع أن يثيروا الشغب أو التمرد فيما بعد، أولئك الجنود الذين يحتمل أن يكونوا قد شاركوا في أعمال شغب أو تخريب أو سرقة أو مظاهرات وتكتلات سياسية وغير ذلك. فأغلبهم من أصحاب الأوتار المشدودة التي ما يكاد أي مؤثر خارجي يلمسها حتى تنتفض بشدة، فتكشف عن نفسها.

أول محاضرة عقدت كانت للواء متقاعد/ عبدالمنعم سعيد، كان يخدم كضابط تخطيط في حرب العاشر من رمضان، وأتي معه شيخ كنت أرى وجهه في التلفاز أحياناً ولم أكن أدري ما اسمه حتى ذكروه، ﻻ أدري لم سجلته في دفتري على أنه صوفي، ربما لكلمة قالها، أو لرأي بيّنه، ﻷنني حقاً ﻻ أعرف من هو، لم أحصل منه إﻻ اسمه على أي حال، محمود عاشور.

دعنا نترك الشيخ للآن ونلتفت إلى ذلك اللواء، فقد أخذ نصيب الأسد في الحديث على أي حال. بدأ بمقدمة تقليدية عادية ثم بدأ في العزف على وتر عظمة الجيش وحقارة ما سواه، خاصة “أولئك الذين ﻻ يجب أن يذكروا” .. . للتوضيح، أنا ﻻ أكره الجيش، أنا أحب العسكرية جداً، على الأقل منظمة عما سواها.

على أي حال، بما أنني قرأت المقصود من المحاضرة في كلام الرجلين، وتأكيد الضباط المنظمين للمحاضرة على الجنود أن يعبروا عن آرائهم بكل أريحية. حسناً، أعتقد أنني سأدخل في مرحلة وضع رأسي على كفي متذمراً على وقتي الذي سيضيع والذي كان من الممكن أن أستغله في مذاكرتي.

تذكرت لتوي أن من جملة ما قاله كان هذه العبارة

وحافظ سلامة هذا الذي يقولون أن أمه أمريكية!

اعتدلت في جلستي فجأة لما سمعت تلك الكلمة، وبقيت هنيهة مثبتاً بصري على الرجل وأنا أقلب الجملة في رأسي بعنف. ما الذي قاله ذلك الرجل للتو؟ أمجنون هوَ؟ أيقصدها أم أن سنه كبرت وبدأ يفقد ذاكرته؟

إذا كنت ﻻ تعرف بالفعل عم أتحدث، فدعني أوضح لك باختصار شديد:

حافظ سلامة هو أحد المجاهدين القدماء الذين بدأ جهادهم ضد المحتل الإنجليزي في مصر، ولم يتخلف عن جهاد بعدها في أي مكان محتل يستطيع الوصول إليه في العالم الإسلامي، ولم يختلف عليه عاقل في بطولته وفدائه.

وحين أتت حرب العاشر أحدث شارون ثغرة في قناة السويس ليدخلها بعشرة ألوية، ثمانية ألوية مدرعة ولواءي مشاة ميكانيكا -ﻻ أذكر بالضبط-، هذا يعادل جيشاً مدرعاً، فالجيش الواحد عندنا تسعة ألوية. -أيضاً، حسب ما أذكر، هذه المعلومات قد ﻻ تكون دقيقة-

حين حوصر الجيش الثالث الميداني المصري، وحوصرت السويس، وعزم محافظ المدينة على التسليم لليهود، لم يقف في وجهه سوى حافظ سلامة!. وهو الذي جمع شتات الجنود والمقاومة الشعبية معاً حتى طردوا اليهود. ﻻ زالت لدى جدتي شهادات من أنور السادات لبعض أقاربي الذي بقوا في السويس أثناء الحصار. هذا عن حافظ سلامة، والذي بالمناسبة ﻻ يمكن لضابط تخطيط برتبة عقيد في غرفة العمليات في الحرب أن يخطئ الرجل.

أما الذي قيل أن أمه أمريكية فهو محمد حازم صلاح أبواسماعيل، داعية إسلامي ومحام وناشط سياسي يتبنى تطبيق منهج الإسلام كما يراه على الدولة المسلمة، وترشح للرئاسة في مصر وتم استبعاده على خلفية اتهامه بأن أمه تحمل الجنسية الأمريكية، الأمر الذي يخالف شروط الترشح. وبغض النظر عن صحة الإتهام من عدمه، هذا ليس الشاهد من الأمر.

الشاهد من اﻷمر أن رجلاً كذلك اللواء حين يخلط بين هذين الإثنين فإنه ﻷِحدِ ثلاثة في رأيي:

إما أن سنه كبرت وبدأت تختلط الأمور عليه.

أو أنه يبغض الإثنين معاً لذا ﻻ يهتم أن يتحدث عنهما بتلك الدقة لئلا يبدو مهتماً بهما.

أو أنه، في أسوأ الأحوال، يلعب لعبة نفسية مع الجنود الذي ربما يعرف أنهم من أصحاب التعليم المتوسط إلى من لم ينالوا من التعليم النظامي حظاً، والذين يسهل التلاعب بأفكارهم إذ أن أغلبهم ليس لديه توجهات سابقة أصلاً. فهو يخلط الأمرين حتى يحصل على مراده من نفور السامع إذا ما ذكر اسم حافظ سلامة منفرداً، أو ذكرت قضية الأم الأمريكية منفردة، حتى لو سبق الأمر أو لحقه متغيرات مختلفة، فقد التقط الدماغ الكلمة التي تنبهه لما يجب أن يشعر به، والتي بدورها تمت برمجتها من قبل ذلك اللواء بتلك الجملة.

على أي حال، عدت لوضعي الأول من اتكائي برأسي على يدي -هذا وضع مخالف للجلسة العسكرية بالمناسبة- مستمعاً للواء الذي بدأ يتخذ لهجة أكثر عنفاً في الحديث عما سوى القوات المسلحة، بدأ بـ “أولئك الذين ﻻ يجب  أن يذكروا”، مروراً بأطياف الشعب المختلفة وصولاً ﻷي كان من تسول له نفسه أن يقف في وجه التيار.حسناً هذا عادي وطبيعي، لن أضيع وقتي في هدم حائط من النحاس بملعقة!، ثم ذكر شيئاً بعدها عن مشكلة سكانية أو مشكلة تخص الشعب العادي، تلك الفئة التي ﻻ تنتمي ﻷطياف سياسية من الموجودة على الساحة، أوه أنا من تلك الفئة!. ﻻ أذكر على وجه الحقيقة ما قاله بالضبط إﻻ أنه جعلني أفتح مذكرتي وأبدأ في تسجيل ما يقول في نقاط.

بدأ الجنود الذين من حولي يحذرونني من الكتابة وأنني قد أتعرض للأذى بسبب ذلك، … ﻻ أدري إلى الآن ما هو الإحساس المناسب الذي يجب علي الشعور به تجاه تلك التحذيرات. على أي حال فإنني قد أكملت ملاحظاتي. أحسست في لهجته احتقاراً للشعب، حسناً هل أفعل شيئاً ما؟ ماذا عساي أن افعل؟ … .

في نهاية المحاضرة طلب قائد المركز أي أسئلة لدينا لعرضها على الرجلين …، وكأنها فرجة فتحت!، رفعت يدي عالياً، كنت في آخر القاعة فبالغت في رفع يدي لكي يراني، ويبدو أن بقية الجنود كانوا متوجسين من الأمر فلم يجد غيري، فأخرجني.

حين تخاطب أحداً محاولاً إقناعه برأيك، فإن اﻹستشهاد بأمثلة من بيئة ذلك الذي تحاول إقناعه أبلغ في وصول المعنى إليه، سيما إن اتبعت طريقة “نعم نعم يا سقراط”، بأن تسأله أسئلة أو تذكر وقائع يجيب عنها بالإيجاب، وهذا ما فعلته بالضبط.

فنظراً لخلفية الرجل العسكرية، ومشاركته المباشرة في حرب العاشر في موقع حساس جداً للمعركة، فإنني لن أبذل جهداً كبيراً في الوصول إلى أوتاره، بل إن أوتاره مكشوفة لي!. فاستشهدت في كلامي بوقائع من الحرب وبعض كُتيّبات الفريق سعد الدين الشاذلي التي كانت توزع على الجنود آنذاك، خاصة كُتيّب 41، ﻷقرب الأمر إلى الرجل إذ أنني أتكلم بأحداث رآها بعينه وساهم في صنعها، وهي محل فخر لديه، ذلك يعني أن إسقاط أي مثال عليها سيكون سهلاً ﻷنها تحظى بتلك المكانة لديه.

لم يحرك الرجل عضلة واحدة في وجهه تأثراً بما أقول، وحفظته رباطة جأشه أن يظهر أياً مما يدور بخلده، الأمر الذي أبهم علي قراءة رد فعله أثناء كلامي، لكني حصلت على نتيجة معادلة سقراط التي اتبعتها من ذلك الرجل الواقف إلى يساره في حلة عسكرية وتواضع ظاهر لمكانة ذلك اللواء، وكان يومئ برأسه كل جملتين أو ثلاثة مصدّقاً لما أقول ويقول من حين ﻵخر “تمام يا فندم .. مضبوط يا فندم”، يخاطب اللواء بالطبع.

وملخص ما قلته له كان أنه مخطئ بشأن ما قاله حيال الشعب، وأنهم يحتاجون إلى قيادة حكيمة وتدريب وإعداد وتربية جيدة، ثم تعال بعدها لتحدثني عن النتائج، أما الآن فلا!. ومحل استشهادي بالفريق الشاذلي رحمه الله كان حول هزيمة الجيش في 67، ثم انتصار نفس الجنود والعناصر البشرية التي هزمت وفرت من ساحة القتال، لكن بعد إعداد جيد، تحت قيادة موفَّقة. وكان من أثر ذلك أن الجنود كانوا يلوحون للفريق رحمه الله بكتيب 41 كلما رأوه يمر بهم، فخورين بنجاح الخطة كما وضعت بالضبط، وفرحين بما آتاهم الله من فضله باتباعهم لتوجيهات القيادة التي كانت في ذلك الكتيب.

بعد أن أنهيت كلامي رفعت يدي ﻷقدم التحية طبقاً للعرف العسكري، غير أن الرجل إلى يساره نبهني ضاحكاً بلطف وكأنه يخاطب ابناً ﻷحد أصدقائه إلى أن التحية تؤدى باليد اليمنى فقط، أمسكت بمكبر الصوت بشمالي وأديت التحية وانصرفت. فيما بعد، عرفت أن ذلك الرجل الذي كان يومئ مصدقاً على كلامي، ذلك هو قائد مركز التدريب الذي نحن به!، يا ويحي، لم أكن أعرف قائدي!.

لم أحصل على رد منه إﻻ التأكيد أنه نال شرف العمل مع الفريق الشاذلي رحمه الله، وأن من مناقب الفريق كذا وكذا، لكنه لم يعلق بشكل مباشر على ما قلت، كما سأذكر ﻻحقاً

ربما شجع حديثي أمام الرجل بعض الجنود ليقدموا عدة أسئلة، لكنهم هذه المرة لم يعطوا مكبرات صوت ( أتساءل لماذا 😉 )، بينما بقيت أنا في مقعدي مغتبطاً بإراحة نفسي وإبلاغه بما أردت، وظل من حولي يسألونني عما قلته بالضبط لذلك اللواء إلى اليوم الذي خرجنا فيه من المركز!. مرحى، لقد نجحت خطتي!، لم أكن أريد أن يفهم مرادي سواه، وبذلك التعبير على وجهه، إما أنه غبي لم يفهم مطلقاً، أو أنه حكيم كفاية ليدع الأمر يمر بسلام، إذ أننا كنا على بعد شهرين من الإنتخابات الرئاسية الأولى بعد الثورة.

بعد ذلك اللقاء، أغلقت علينا أبواب القاعة بعد انصراف الضيوف، وأمسك عقيد بمكبر الصوت ليقول أنه يريد أن يسمع آراءنا فيما قيل في تلك المحاضرة، يبدو أنهم لم ينجحوا في اكتشاف مثيري الشغب المتوقعين الذين ذكرتهم باﻷعلى. وظل يطمئنهم أنهم في أمان، وأنه شخصياً يعارض حكم فلان  الذي تمت الإطاحة به، لمن يهمه الأمر، يعطيهم اﻷمان كي يتحدثوا.

وبقدر قلة اهتمامي لشأنه، إذ لم يكن يعنيني كثيراً أمر السياسة وغيرها، ﻷني كنت أفكر فيها بوضعها الحالي مثل كرة القدم، ﻻ يفوز فيها إﻻ النوادي التي تلعب، أما المشجعون فلا ينالهم إﻻ خسارة أموالهم ومعاداة أصدقائهم بسبب كرة جلدية ملعونة، وإن كان على المدى القصير فقط في هذه الحالة بأي حال.

حسناً، بالعودة لذلك العقيد الذي بدأ يلتقط بعض الهمس هنا وهناك بين الجنود، ويحثهم على رفع أصواتهم، لعله حصل على تعليقين أو ثلاثة، لكن ﻻ أحد منهم كان من ذوي الخلفيات السياسية التي كانوا يخافون وجودها بين الجنود. على أي حال ربما ﻷن أولئك الجنود كانوا من ذوي التعليم المتوسط إلى من لم ينالوا حظاً من التعليم على الإطلاق، فالجنود الذين ارتادوا الجامعات وخاضوا المظاهرات التي كانت في تلك السنة وما قبلها كانوا قد وصلوا لتوهم إلى المركز بينما كنا نحن في تلك المحاضرة، أرجح أنهم كانوا يستلمون مهماتهم العسكرية(ثيابهم).

نعم، إن كنتَ منتبهاً كفاية لوضعي بين هؤﻻء وأولئك ستستنتج أنني في فئة الجنود الذين لم يحصلوا على تعليم جامعي أيضاً

ثم انتبه فجأة أثناء إعطاء الإذن للجنود بالإنصراف، فأمسك مكبر الصوت وقال “أين الجندي الذي تحدث عن الشاذلي؟”، وكنت إذ ذاك إن لم تخني ذاكرتي أمر بحذائه منصرفاً، فوقفت له وقلت أنا هوَ!، فمال علي في ابتسامة عريضة وهو يشد على يدي قائلاً “هل قرأت مذكرات الشاذلي؟”. أجبته باﻹيجاب “لقد قرأتها مرتين يا سيدي”.

شعر أن هناك ما يجب توضيحه بشأن الأمر فتوجه إلى الجنود ليؤكد أن الفريق رحمه الله وضع نفسه في حرج قانوني بسبب نشره لأسرار عسكرية دون تصريح أو إذن مسبق بذلك، ورد على تعليق هنا وهناك بشأن الأمر ثم مال علي مرة أخرى: هل قرأت مذكرات الشاذلي حقاً؟! … . كررت إجابتي مرة أخرى.

ثم انصرف وانصرفنا معه. ربما أحس بعض الجنود باﻷمان للرجل فتحلقوا حوله كما يتحلق طلبة الجامعة بعد المحاضرة حول المحاضر وهو يغادر قاعة الدرس، الأمر الذي كنت أراه فيه كثير رياء على أي حال، إذا كان لديك سؤال لماذا لم تقله في قاعة الدرس؟ لكنها الرغبة في الظهور بمظهر النابغة الذي يخاطب المحاضر شخصياً على انفراد خارج الدرس، وكأنه يسأله هل يخصب اليورانيوم الذي سيضعه في قنبلته النووية في درجة حرارة الغرفة أم عليه فعل كذا وكذا؟.

هناك استثناءات على أي حال، يسببها أولئك المحاضرون الأغبياء الذين يتركون الطلبة دون إجابات متعمدين أحياناً، رغبة في جعل الطلبة يتبعونهم متحلقين حولهم ليجعلوا منهم شيئاً مهماً.

في صباح اليوم التالي خرج قائد المركز في طابور الصباح ليلقي كلمة يشيد فيها بما قيل باﻷمس من الرجلين ويؤكد عليه، ثم طلب أسماء من خرجوا في نهاية اللقاء ليتكلموا، أوه أتت ساعة الحساب!.

خرجت إليه في وسط أرض الطابور عندما سمعت اسمي ينادى به، ﻷجده على العكس مما توقعته باﻷمس، يشيد بما فعلته، ويهديني مذياعاً كمكافأة على ما قلت، ثم يمازحني أن أزيد من وزني قليلاً إذ أن ثيابي كانت تبدو مضحكة جداً وأنا أربط لباس الرياضة بحزام البذلة العسكرية، إذ كان واسعاً وليس لدي ما أفعله بشأنه. ذلك أن لباسنا العسكري لم يكن مضبوطاً على قياسنا، وكنا ننتظر في العادة أن نخرج في أول إجازة لنضبطه بأنفسنا أو يقوم خياط بضبطه داخل المركز أو الكتيبة إن توفر ذلك، وكلا الخيارين لم يكونا قد أتيا بعد. -لهذا السبب بالتحديد فإن زي كل جندي يبدو مختلفاً عن زميله في خياطته، شئ مخل تماماً بالمظهر العسكري-

ﻻحقاً، أهديت ذلك المذياع إلى أحد الجنود الذي تعرفت عليهم في ذلك المركز وتم إرساله إلى السودان فيما بعد إذ كان يتقن اللغة الإنجليزية، وكنت قد التقيته أثناء ذهابي للطبيب ﻷسأله إن كان ممكناً أن أمتنع عن أخذ الحقن والأمصال التي تعطى للجنود، ﻷنها تعطى بدون إجراء فحوصات لمعرفة هل لدى الفرد حساسية ﻷحد مكوناتها أم ﻻ، ولمعرفته بتلك المشكلة فإنه قد عرض علينا أن من لم يرغب في أخذ تلك الحقن فليعرض نفسه عليه.

ملاحظات:

أخطأت في كتابة كلمة conference يوم كتبتها في دفتري، إن كنت قد ﻻحظت الأمر في الصورة.

اكتشفت بعد إنهائي للخدمة العسكرية أن ذلك اللواء قضى فترة كمحافظ لمحافظة البحر الأحمر التي أسكن بها.