حكمة البلاء

قبل ثلاث سنوات تقريباً، أخبرني أخ أحسبه على خير عن رجل يريد أن يذهب إليه لينصحه، ويريدنا أن نذهب معه لنؤازره في الأمر.

سأل بعض من كان يقف معنا آنذاك عن أمر الرجل، فأخبرنا أنه رجل فتح الله عليه بأموال عريضة وجاه وأولاد، وقد سافر للخليج مذ كان صغيراً و .. “قصة نجاح باهرة، ثم زواج ومال ممدود وبنين شهود”. ثم إن الله سلب منه ذلك كله حتى ما بقي له إلا منزله الذي يسكن فيه، وقد ترك أهله وجاء ليعمل أجيراً هنا ليطعمهم!. المشكلة أنه يرفض الصلاة سخطاً على الله لحاله.

ترددت في أمري إذ أن الرجل في الأربعين أو جاوزها، وكنت بنصف عمره، وملامحي تعطي أقل من ذلك، وكان حاضراً من هو أكبر مني فقلت فيهم الكفاية عني، لكن صديقي ألح علي حتى ذهبت، ونويت ألا أتكلم إلا إذا كان الأمر ضرورياً جداً.

دخلنا عليهم فإذا هم شابين و رجل قد جاوز لتوه عتبة الشباب أو لم يكد، ظننته هو المقصود فى بادئ اﻷمر، لكن عندما بدأ صديقى الحوار، أخذ يناقشه أحد الشابين بشدة و عنف و استهتار و مزاح في الوقت نفسه!، بطريقة من يعرف الحق و يحيد عنه بإرادته، حتى بدأت أعتقد أنه الرجل المقصود من شدة جداله بمنطق يشبه الذى توقعته من الشخص الذى ذهبنا ندعوه.

لكن المفاجأة كانت من ذلك الرجل الذى بقى واجما طوال فترة جلوسنا، فقد نهر ذلك الشاب المستهتر فجأة معاتبا إياه لمقاطعته باستمرار لوعظنا له ، و طلب من اﻷخ إكمال حديثه و تذكيره بحكمة البلاء، ثم ما لبث أن التفت إليه و قد كان موليا ظهره بصمت ووجوم، و قال لنا: أنا سأحكى لكم حكايتى… .

و بدأ يسرد علينا كيف أنه جاء إلى البحر اﻷحمر و هو صغير جدا للعمل للإنفاق على دراسته، ثم من الله عليه بالزواج فى سن السادسة عشر، و كيف أنه ذهب بعدها للكويت، وفتح الله عليه من الرزق أبوابا كثيرة حتى صار مقياس المال عنده بمئات الألوف قليلا جدا، و عاد إلى بلده، و اقتنى اﻷموال و اﻷراضى و اشترى سيارات أجرها لمن يعمل عليها، و استكثر من اﻷراضى فصار يشترى و يتاجر فى اﻷراضى بكثافة.

ثم… ثم إنه كان كل من أنجبهم إناثا ، فكان يريد ولدا يورثه ذلك المال العريض، فتزوج ثانية لكى ينجب ولدا، فأنجبه، لكنه بعدها مات فى حادث تقريبا، و بدأت النكبات تترا حيث دمرت سياراته فى حوادث و نصب عليه فى أموال كثيرة، و خسر تجارات أكثر وافتتح عدة مشاريع فى محافظات عدة فباءت كلها بفشل ذريع.

وقد فكر بعدها فى الانتحار ثم أحجم عن ذلك لما تذكر أوﻻده، و قد جاء اﻵن يعمل أجيرا فى سفاجا!، ثم سكت. فانطلق اﻷخ وقد وضع يده على الجراح يعالجها واحدة بعد اﻷخرى، وصديقى الذى دعانا يعاونه بكلمة بين الفينة والأخرى ،حتى ﻷظن أنهما حركا قلبه، ومضينا نحدثه ونبشره أن الله لوﻻ أنه يحبه لما أبقاه و لكان أهلكه كما أهلك من ظلم و عصى و لم يشكر نعمة الله عليه بعد أن أعطاه إياها و ذكرناه بآيات كمثل وكذلك أخذ ربك إذا أخذ القرى وهى ظالمة … .

فلو كان الله يريد له سوء الخاتمة و ﻻ يحبه لكان أهلكه و هو على معصيته و قد كان ﻻ يصلى إﻻ الجمعة و فيه من الكبر ما ﻻ يعلمه إﻻ الله، و قد جاءته فريضة الحج مجانا تحت قدميه مرتين فرفضها — يحكى عن نفسه — ، و أكدنا له أن فى ترك الله له وتيسيره لمثل هؤﻻء اﻹخوة أن يأتوا إليه لينصحوه ويذكروه ويبشروه لعلامة على حب الله له وأنه يريد أن يصطفيه إليه مرة أخرى بعد أن بعث الله له النذير تلو النذير فى فقده لماله مرة بعد مرة و فقده لفلذة كبده.

فلعل الله أراد له ضربة قاصمة توقظ قلبه من سبات طال أمده و لكنها ﻻ تقتله. ثم إنه ﻻ حرج عليه أن يرجع إلى ربه بعدها وﻻ يخجل من الدعاء مع ذنوبه التى أسلفها، و ذكرنا له فعل سيدنا سليمان لما أذنب قال رب اغفرلى و هب لى ملكا ﻻ ينبغى ﻷحد من بعدى!، فلم تمنعه معصيته و خجله من الله عز وجل بسببها أن يطلب حاجته مع اﻹستغفار.

بعد استماع و إنصات من الرجل لكل هذا بين مرهب لعاقبة الاستمرار فى المعصية والسخط على قضاء الله، ومرغب له فى رحمة الله الواسعة، رفع الرجل يديه وقد جرت عينه، وقال اللهم إنى أتوب إليك توبة نصوحا، اللهم إنى أتوب إليك، اللهم اقبلنى… فأمنّا على دعائه، وبشرناه.

وذكرنا له فى عجالة قصتين لرجلين وصلا لمثل سنه وقد بلغا قمة نجاحيهما ثم سلب منهما كل شئ ، فعادا للبناء من تحت الصفر حتى صار أحدهما مالكاً لأحد أكبر الشركات التقنية في العالم، … ثم سلمنا عليه و قبلنا رأسه و مضينا.

مررت بعد ذلك الموقف بسنة تقريباً أو نحوها في نفس المكان من الطريق الذي ذهبنا منه لمنزل الرجل، فقابلت صديقي الذي دعاني إلى الذهاب معه أول مرة، فسألته عن حال الرجل، وإلام صار، فقال: اه، أبو سعد؟ قد أكرمه الله مرة أخرى، وذهب للعمل بالسعودية.

الشاهد من الأمر:

فلولا إذ جاءهم بأسنا تضرعوا!، ولكن قست قلوبهم وزين لهم الشيطان ما كانوا يعملون. فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء، حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون. فقطع دابر القوم الذين ظلموا والحمد لله رب العالمين

ولنبلونكم حتى نعلم المجاهدين منكم والصابرين ونبلو أخباركم

أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يعلم الله الذين جاهدوا منكم ويعلم الصابرين؟

أم حسبتم أن تدخلوا الجنة ولما يأتكم مثل الذين خلوا من قبلكم؟ مستهم البأساء، والضراء، وزلزلوا حتى يقول الرسول والذين آمنوا معه متى نصر الله!؟ ألا إن نصر الله قريب

ما يفعل الله بعذابكم إن شكرتم وآمنتم؟! وكان الله شاكرا عليما

الفطنة لحكمة الله من البلاء وقياسه إلى الآخرة من أعظم الأسباب المعينة على النجاح في اختبارات الله للعبد، سواءاً كان امتحاناً بالخير أو الشر، بالنعمة أو المحنة.