داخل عقل المعماري

المعماري = INTP

كثيراً ما نجد أشخاصاً أو أصواتاً داخل عقولنا ونحن نفكر، قد يصفها البعض بأنه “هاتف!”، ويصفها البعض الآخر بأنها إلهام أو وسوسة أو غير ذلك، ولا يلقون لها بالاً في حديثهم كثيراً لئلا يظهروا أمام الناس بمظهر المجنون الذي لديه أصوات في رأسه!. لكن الأمر مختلف بالنسبة للمعماري، فهو يولي اهتماماً كبيراً لتلك الأصوات، فهي بالنسبة إليه تلك الإحتمالات المختلفة في رأسه لكل مشكلة يريد حلها أو فكرة يريد تنفيذها، أو ربما حتى قميص يود شراءه!.

دعني أعيد عليك ما قلته مرة أخرى في صورة مثال، وهي أمثلة حقيقية من أصدقائي المعماريين. قد ترى صديقي هذا يطوف السوق بأكمله بحثاً عن قطعة ثياب يود شراءها ثم يعود لمنزله ولم يشتر شيئاً!. أو قد يظل ينظر في قائمة الطعام لمدة عشر دقائق مثلاً دون أن يقرر ماذا سيأكل!، أو ربما يظل ينظر إلى برنامجه الإلكتروني لا يعرف ما الدالة التي عليه كتابتها أو الوظيفة التي عليه وضعها في البرنامج!.

إن نظرنا إليه من الخارج، من المنظور العادي لبقية البشر، فهو يبدو متردداً لا يستطيع اتخاذ قرار حتى في الأمور التي تبدو بسيطة لنا!، كيف لشخص ألا يعرف ماذا عليه أن يرتدي؟! أو ماذا يريد أن يأكل؟!. حسناً لو كان الأمر اختياراً بين أمرين لكان هيناً، ولكان المعماري قد استشارك فيما يريد، إذ أنك لن تعدم رأيا في الإختيار بين أمرين أو ثلاثة!.

لكن إن نظرت داخل رأسه، أو إن طلبت إليه بالبوح بما في صدره وكانت لديك طاقة للصبر على الإستماع لما لديه، فسوف تفاجأ بكمية الإحتمالات التي يقارن بينها، وبقدر الأفكار التي تتولد داخل رأسه فيقف بينها حائراً لا يدري أي طريق عليه أن يسلك، فكلها خيارات جميلة ويمكن تطبيقها، في نظره  بالطبع.

داخل عقل INTP

هل نعود إلى الأمثلة مرة أخرى؟ حسناً، في مثال صديقي الذي لا يزال إلى الآن ممسكاً بقائمة الطعام ليرى ماذا سيأكل، دعنا ندخل إلى رأسه ونرى الأمر بعينيه.

هو الآن ينظر إلى قائمة الطعام ويسأل نفسه “هل علي طلب الطعام في شطائر أم في أطباق؟ حسناً لو كان في أطباق ماذا علي أن أطلب؟ هل كذا؟ أم كذا؟ وهل ذلك الصنف المشوي أفضل من المطبوخ أم لا؟ حسناً لنر المطبوخ، لكن ماذا لو لم يعجبني؟ … حسناً دعنا نعود للشطائر، هل علي طلب اللحم أم الدجاج؟ هل ذلك الدجاج جيد؟ لقد جربته من قبل وكان كالبلاستيك الساخن!، حسناً سأطلب شطيرة باللحم. نعم، شطيرة باللحم … مهلاً، ما دمت سأطلب شطيرة باللحم لم لا أطلبها في طبق؟ على الأقل هم يقدمون السلطة إن طلبتها في طبق!“.

وكل تلك خيارات منطقية وجادة تماماً إن نظرت إليها، لكنك ترى الأمر أبسط من ذلك، أما هو فيريد أن يحصل على أفضل تجربة ممكنة بدون أخطاء، وهذا حقه على أي حال، وقس على ذلك إن كان المعماري مبرمجاً أو مهندساً أو مخترعاً أو غير ذلك، لا عجب إذا أن يكون أغلب العلماء وأصحاب النظريات العلمية من شخصية المعماري!. –أينشتاين، لينوس تورفالدز، لاري بيج، إلخ…

ذلك الأسلوب في التفكير قد يجعلهم مهملين في نظافتهم الشخصية أحياناً، هناك قول مأثور على المعماريين يترجم إلى “سأستحم بعد إنهائي لتلك النظرية“. أو قد يجعل رؤوسهم تعمل كالطواحين حتى في أهدأ الليالي التي قد ينام فيها المرء ملء جفنيه، فيشعرون أحياناً أن عقولهم أبت عليهم أن ينعموا بليلة هانئة، فهي تذهب بهم ذات اليمين وذات الشمال في ذلك الأمر الذي يشغلهم حتى ينجزوه أو يقاوموا أنفسهم ويجبروها على النوم.

هل تشعر الآن أنني أبالغ في وصفي؟ ذلك لأن المعماريين لا يتحدثون عن تلك الأشياء على الملأ، بالله عليك أخبرني كيف يكون شكل وجهك وأنت تستمع إلى صديقك وهو يخبرك بعدة أصوات في رأسه أو احتمالات لحل مشكلة ما؟ ماذا لو كنت ترى تلك المشكلة تافهة بالنسبة إليك وهو يرى أنها مسألة بغاية الأهمية؟! هل تتضح الصورة أكثر إن كنت والده أو والدته؟! وأنت تريده أن يصرف انتباهه إلى الدراسة أو غير ذلك؟

 احد المعماريين على تمبلر، صور نفسه بعدة أوضاع ليمثل ماذا يدور في رأسه

أحد المعماريين على تمبلر، صور نفسه بعدة أوضاع ليمثل ماذا يدور في رأسه

إذا أردت صورة عما يحدث في رأس معماري وهو يفكر فانظر إلى الصورة بالأعلى، وقد أخذتها من حساب أحد المعماريين على tumblr، وقد كان يصف فيها شيئاً مقارباً لما أذكره، ربما أثار أسلوب المعماري الحائر بين الإختيارات فضول بعض أصدقائه ودفعهم إلى البحث عن سبب لذلك!. ها هي صورة فعلية لكل صوت داخل رأسه يحمل رأياً بمميزاته وعيوبه، وهو بينهم يستمع لهذا وذاك ويقارن بين هذه وتلك إلى أن يصل إلى قرار بالنهاية.

وقد رأيت قبل عدة أسابيع عملاً لأحد أصدقائي المعماريين يصور فيه عقله من الداخل، وهي تحفة رائعة تؤكد ما كنت أظنه عن أصدقائي، وتدفعني إلى الدفاع عنهم كلما أساء أحدهم الظن بتصرفهم، فصديقي ذاك رسام بالأساس، وفي كل مرة أنظر إلى إحدى لوحاته أشعر أنني عدت إلى رسم القرون الوسطى الذي لا تكاد تصدق أنه رسم بالفرشاة والألوان من دقته!.

وقد رسمها أيضاً ليصور عقله من الداخل، إذ يبدو أننا (INTJs – INTPs) نجد صعوبة في توصيل أفكارنا لمن حولنا، ويجد من حولنا صعوبة في فهمنا، لذا تجد أغلب الذين يكتبون عن الأمر أو يهتمون بنظريات السلوك هم هاتين الشخصيتين، بالإضافة إلى شخصيات أخرى بالطبع، وبالإضافة لأسباب أخرى أيضاً.

My INTP Mind، لوحة لصديقي ممدوح طايع يصور فيها عقله من الداخل.

My INTP Mind، لوحة لصديقي ممدوح طايع يصور فيها عقله من الداخل.

لعلك لاحظت أشباه الوجوه الصغيرة التي يبدو أنها تنازع انتباه الوجه الكبير وتريد الإستحواذ على تفكيره أو جعله ينحاز إليها، وهو بينها وبين أشباه الأفكار الغير مكتملة والتي لا يدري هل عليه التخلص منها أم أنها قد تكون مفاتيح لحلول أفضل، فهي باقية بصورة غير منظمة حوله في تلك الخطوط العنيفة حول الوجه الكبير إلى حين اتخاذ قرار نهائي فيتخلص منها أو تفشل الإحتمالات التي كان ينظر فيها فيعمد إلى تلك الأفكار المهملة لعله يجد فيها ما يصلح أن يكون حلاً أفضل. على الأقل هذا ما أراه أنا في اللوحة.

إنني أكتب تلك المقالات لأضع لك صورة أوضح لأسباب تصرفات بعض من حولك إن كانوا من شخصية INTP. وإنني أضعها من تجربتي الشخصية التي رأيتها والتي قد تحتمل الصواب والخطأ. ومما رأيت فإن أصحاب تلك الشخصية قد ينشطون لفكرة قد تجتاحهم فيشمرون لها سواعدهم ويسهرون لياليهم من أجلها حتى يحققوها، لكننا في مجتمعنا للأسف غالباً ما نسوقهم سوقاً إلى الصفوف التقليدية التي تخرج نسخاً صماء من التروس التي تستبدل سلفاً من التروس الموجودة في ماكينة الإنتاج والتطور العملاقة.

اما إن تُركوا خلف ما يحبون، بتوجيه لما يصلح أمتنا، فإن قدراتهم العقلية قد تقفز بما حولهم عدة عقود من الزمن، إن كنت لا تصدقني فانظر إلى ما فعله لينوس تورفالدز ولاري بيج وسيرجي برين وغيرهم من المعماريين الذي جعلوا السحر الذي تحدث عنه آباؤنا وأجدادنا بأنه مستقبل واقعاً ملموساً نراه بأيدينا كل يوم، في غضون عدة عقود لا تتجاوز نصف قرن على أقصى تقدير.

أحسن توجيه INTP إن كان ولدك، رجاءاً، أسد معروفاً للأمة.

 

  • باسل

    سبحان الله قبل يومين بس كنت اسأل احدهم “عمرك حسيت انك كذا شخص بشخص واحد”؟
    اتوقع ردت فعله ع السؤال هي اللي قادتني لهذا الموقع 🙂