دروس من الموت، استقبال المصائب

تحدثت من قبل عن الأوقات التي أستغرق فيها في وضع سيناريوهات لمشاكل أو مصائب قد تقع لي أو لعائلتي، أو لشئ يهمني أمره، كتجارة أو نحوها، من باب أني لا أحب الإستغراق كثيراً في مرحلة الصدمة، ولا أن أرى نفسي أو يراني غيري في موقف ضعف وجزع.

ويخيل إلي أن الصورة المثلى للتعامل مع الأمر هو بوضع قوانين أو إجراءات تنظم سلسلة الأفعال والإجراءات التي علي اتباعها في هذه المصيبة أو تلك، تماماً كما يحدث في الشركات والدول لتجنب نوبات الهلع والفوضى التي تحدث في أي مشكلة غير متوقعة. غير أني لم أفعل بعد شيئاً كهذا لنفسي.

 

وقد وجدت نفسي في محل اختبار في الأسبوع الماضي حين تلقينا خبر وفاة أحد أعمامي في حادث سير، ففي مثل تلك المواقف تخور عزائم الرجال، وتكتوي قلوب النساء.

وبقدر ما كان عمي رحمه الله قريباً إلى أفئدتنا، بقدر ما كان حبلنا به موصولاً اتصالاً شديداً، ما يجعل قطع ذلك الحبل شديداً على النفس، لفراق من كنت تحبه وتألفه، فتجزع النفس، ويضطرب الفؤاد، ويطيش اللب الراجح.

وإلى ذلك الحين كنت أظن أن الأمر يعود إلى طبيعة شخصية المرء في التعامل مع المصائب والنوازل، لذا سيصعب مفاجأة شخص مثل INTJ بشئ حتمي الوقوع كالموت، على أنه كبقية الناس، يمكن أن يضطرب ويجزع ويسخط، لكني لما عدت إلى نفسي أراجعها، رأيت أن في ذلك نوعاً من ظلم الله للعباد إن كان الأمر بتلك الصورة، فلا يجب أن يحاسب حينها باقي الناس على جزعهم في المصائب إذ أنها فوق طاقة احتمالهم.

 

لكن الله العدل الرحيم، أنزل إلينا كتباً ورسلاً تتمم مكارم الأخلاق، وتهدي إلى الصراط المستقيم، وترشد العباد إلى حقيقة الدنيا والحياة والموت، ليصبح الأمر مجرد بيانات ناقصة على المرء إكمالها.

فكر في الأمر على هذا النحو، لنفرض أن معك قطعة تبر في يدك، وقد وضعتها في منديل من الحرير في علبة مخملية رائعة المنظر، وحفظتها في أحظى مكان لديك في منزلك. هل زادت فيمة التبر شيئاً؟ هل زاد لمعانه؟ هل زالت عنه شوائبه؟.

بالمقابل، لنفرض أن قطعة التبر تلك وقعت في يد حكيم يعرف السبيل لتزكيتها وإعلاء قيمتها، فألقاها في نار عظيمة شديدة الحرارة، وجعل ينفخ عليها من حر النار حتى انصهرت، وصعدت شوائبها إلى السطح، فعزلها ذلك الحكيم وفصلها، ثم استخرج ما بقي، وأنزل عليه سوائل التبريد، وأخذ يطرقه ويشكله، حتى صار ذهباً بالغ الروعة وله بريق يخلب الألباب.

 

إن رأى صاحبنا الأول ما يصنع الحكيم بالتبر في أول شأنه، لصاح به وعنّفه، ونهره على إساءة التعامل مع التبر وقسوته عليه، ولقال له ماذا فعلت لك قطعة التبر المسكينة حتى تحرقها وتصهرها!. ذلك أنه لم يكن يدرك الحكمة من البلاء الذي تعرضت له قطعة التبر، لكنه لمّا رأى النتيجة التي خرج بها التبر من البلاء، وقد صار ذهباً لامعاً يتقاتل الناس عليه، ويكاد بريقه يذهب بأبصار النساء أمامه، أثنى على الحكيم الذي صهره وشكره وحمد له صنيعه.

وكذلك الأمر بالنسبة للعبد مع البلاء، فإن الله تعالى خالقه يريد أن يرفع قدره بالبلاء، ليضع ذلك الإيمان الذي يزعمه العبد محل اختبار وموضع تحقيق

أحسب الناس أن يُترَكوا أن يقولوا آمنّا وهم لا يُفتنون؟! ولقد فتنا الذين من قبلهم، فليعلمنَّ الله الذين صدقوا، وليعلمنَّ الكاذبين

 

ولنبلوَنَّكُم حتى نعلمَ المجاهدين منكم والصابرين ونبلوَ أخبارَكُم

فإن علم العبد ذلك من ربه، وعرف أن الدنيا محل اختبار لصبره في المحن، ولشكره في النعم، فلن يطغى في النعم التي خوله الله إياها، ولن يجزع ويسخط لقضاء الله في محنته وتقدير الرزق عليه.

ومصيبة كالموت لابد أن يكون للعبد المؤمن فيها نظر، إذ أنه يعلم أن دنياه دار اختبار، ولابد للمختَبَر من نهاية لاختباره، ولابد له من انتقال من محل الإختبار إلى محل الجزاء، فلا يجزع أهل الميت ولا يسخطون لقضاء الله، فميتهم لم يكن هو الرزاق، بل الله هو الرزاق ذو القوة المتين. وميتهم لم يذهب إلى نار محققة فيجزع أهله لخسارته آخرتَه، بل ذاهب إلى رب رحيم رؤوف بالعباد.

فإذا علم العبد ذلك، سكن فؤاده، واطمأن قلبه، وصرف جهده ووقته في الدعاء لميته بالثبات عند السؤال، وفي الإكثار مما بقي له من البر، فإن ثوابه يصل إليه، فذلك أفضل شئ ينفعه.

وكل ذلك لا يأتيه العبد إلا إذا توفرت لديه كل تلك البيانات عن حقيقة بلائه، فإن نوبات الجزع والهلع في مصائب الناس بأهلهم وتجارتهم وغير ذلك إنما يكون عن نقص لبيانات تدلهم على ما بعد الكارثة، فذلك الخوف من المستقبل، وذلك الحزن على ما راح وذهب، وذلك القلق على هذا وتلك، كل ذلك يضرب أفئدتنا ضرباً شديداً فتضطرب.

 

وأما عن استقبالي أنا للمصيبة، فقد كان كغيرها مما توقعت حدوثه كاحتمال وارد الحدوث، كما وقع لي يوم نتيجة اختبار معادلة التحاقي بالهندسة، إذ وقفت أمام باب النتيجة أنظر إليه، سأخرج منه بعد دقيقتين وأنا إلى أحد طريقين لا ثالث لهما، فاتجاه مستقبلي يعتمد عليه… .

ولما خرجت منه بعد معرفتي لنتيجتي، وأني قد خسرت آخر محاولة لي في الإلتحاق بالهندسة بعد نحو أربع أو خمس سنوات عجاف، حمدت الله على قضائه واسترجعت، … وفقط!، لم يكن بيدي شئ آخر أفعله.

 

وكان الأمر هكذا في وفاة عمي، فإني كنت أخشى تلك الحوادث والنوازل كثيراً، برغم علمي أنها محتومة الوقوع، وليست احتمالات واردة فحسب، لكني لم أرتجف أو أهتز قيد أنملة حين سمعت الخبر، ولا وجدت في نفسي هلعاً ولا جزعاً على موته، وكذا حين وصلنا إلى بيت العائلة، ومحاولتي تهدئة النساء عما بهن، فلا أذكر إلا دمعاً قليلاً من رحمتي بمنظر النساء في بكائهن.

وكنت هكذا إلى أن بدأت أشك بمدى إدراكي لما حدث، هل أنا مدرك حقاً أن لي عماً توفاه الله؟ هل أنا مدرك أني لن أراه مرة أخرى؟، وبدأت أذكر نفس التصرف يوم وفاة جدي رحمه الله قبل عشر سنوات تقريباً، وقد كان أقرب إلى قلبي من عمي، ماذا يحدث لي حقاً؟! هل هو تحكم في عاطفتي أم حبس لها؟

لعل الإحتمال الأقرب هو أني أحبس عاطفتي بعيداً عن منطقي، هذا لأني كلما تركت لها المجال ليكون لها مقاليد التصرف في أفعالي فإنها توقعني في حماقات ومواقف لا أحسد عليها!.

 

هذا إن جمعته إلى حفظ الله للعبد في تلك المواقف، فالثابت من ثبته الله، ولا أدعي أن لي حولاً ولا قوة إلا بالله، فهو خير معين على تجاوز تلك الشدائد، وتصير تلك المواقف لديك مثل العمليات الآلية، ماذا يحدث في حالة كذا وكذا؟ واحد اثنان ثلاثة!.

طيب ماذا عن أربعة وخمسة؟ كلا ليس هذا من الإسلام، لا أفعله، وأنهى عن فعله، فكنت آخذ بيد بعض نسائنا اللاتي يسكنَّ في الريف بعيداً عن صواحبهن، اللاتي يجبرنهن على لبس الأسود ولطم الخدود وشق الجيوب وما تقوله النسوة في تلك القرى من كلام يقبح بالمسلم قوله، من أبواب الإعتراض على قضاء الله واختياره.

وأذكر أن أمي كانت تفعل مثل ذلك، وأظن أن ابتعاد نساء القرية عنها كان لأنهن لا يعرفنها، فلا يستطعن إجبارها على شئ من أفعالهن، ولما رأين فعلي أنا وأمي بنسائنا، وتسكيننا لقلوبهن، أخبروني أن أذهب إلى حيث ينتظر الرجال، لأني أفسد عليهن تقاليدهن اللاتي اعتدن على فعلها!. وكذا فعلن بأمي لما أكثرت عليهن، إذ قلن لها “لا تبرِّدي الجنازة!”.

 

فهذا أيضاً من صور زيادة الحزن والجزع على أهل المصاب والبلوى، فإنهم يحتاجون إلى تسليتهم عما بهم، ويذكرهم بحكمة ربهم، لقول النبي يوم جاء نعي جعفر بن أبي طالب رضي الله عنه من غزوة مؤتة:

اصنعوا لأهل جعفرٍ طعامًا، فإنه قد جاءهم ما يشغَلهم

والحمدلله رب العالمين.