دهاليز – الجزء الأول

كنت أجد نفسي تقاوم في كل مرة أحاول الكتابة عن شئ يجول بخاطري مما يتعلق بأمور الزواج، و بتلك التي ستزاحم يومي مستقبلاً. ربما بسبب أن النفس ترى أن ما يعتلج في طياتها لا يجب أن يخرج و يظهر واضحاً للعيان.

و لأفسر سبب هذا أولا، فإنه برأيي يعزو لأمرين، أولهما أنني ورثت دماء صعيد مصر، تلك الدماء لديها من الإباء و عزة النفس ما لو وزع على أهل الأرض لوسعتهم، و لولا الإسلام لما قدر إنسان أن يعايشهم. و لعل الناظر يرى من لم يتقيد بالدين في حاله منهم، أى من أهل الصعيد، يراه رافعا أنفه يطاول بها قمم الجبال، و ربما لا يجد قوت يومه، و ربما ثوبه مرقوع، و ربما يسكن في بيت من أديم الأرض.

لكن شيئاً لا يكاد يمس ذلك الإباء، إلا و تجده انتفض ريشه، و انتفخت أوداجه، ثم قام يرد كرامته، و ربما في ذلك المثال الذي أفترض أن صاحبه لم يتقيد بالإسلام، سترى الدماء سريعا تجري رخيصة لأتفه الدواعي التي إن وقعت لجيرانهم من أهل البلاد الأخرى لم يلقوا لها بالاً !. أعتقد أن هذا في جنوب أي بلد، فليس ضرورة أن تكون صعيد مصر، سمعت هذا من داعية كان يعمل بأمريكا، قال إن أهل تكساس هم صعيد أمريكا، و قال أن لهم نفس الطباع تقريباً. هذا ما أظنه على أي حال، فأنا لم أر إلا صعيد مصر.

و سيفهمني من عاشرهم أو من هو منهم. أقول هذا الكلام لمن سيظن أنه يعرف القوم لمجرد أنه ذهب في زيارة إلى الصعيد، أو لأنه يعرف أحدهم على إحدى الشبكات الإجتماعية، أقول لك يا أيها الكريم، لن تعرف أحداً حتى تعاشره و تعيش معه يومك بما فيه. لا تحكم لأنك رأيتهم في الشارع أو في المساجد أو على الشبكات الإجتماعية. و إن لأخلاق الإسلام أكبر دور في تهذيب تلك الطباع و تليين تلك النفوس لتصبح تلك الصور الجميلة التي نراها منهم في غالب الوقت، فلا يعرف عنهم إلا أنهم أصحاب شهامة و مروءة و نبل و فداء، و لا ينتج عن تلك الصفات إلا أناس نفوسهم كقطر السماء.

و بالعودة لعزة النفس الزائدة عن حدها و التي هى محل حديثي، فإنها لابد لها من إسلام يقيد جامحها، و يهذب حافرها، و إني أظن ما بقي لدي من أثرها هو ذلك الإحجام عن الخوض في ما يخوض فيه سائر الناس إلا قليلاً، و لعل منه ذكر الفؤاد و ما يعترك فيه ثم يتركه مثخناً ما يكاد يرقأ من جروحه الدم حتى تجد ما ينكأها مرة أخرى.

إنني إذ أحجم عن البوح بتلك الأمور، أبرر للنفس أن إذاعتها على الناس أو إسرارها إلى صديق لن يعدل مائلاً أو يصلح مكسوراً، و ليس من مروءة الرجل تحميل الصديق من الهم ما هو عنه في غنى، و بطبيعة الحال فإنه من الحماقة أن يخبر الرجل بها لئيماً إن ينقلب يوماً يذيع ما قد سمع.

و لا أريدك هنا بالطبع أن تظن أنني سأخالف هذا بكتابتي لهذا المقال، و إنما قررت كتابتها لأذكر دروساً ترافقك في حياتك من تجربتي أنا، فإنني لا أستحل أن أضيع وقتك في قراءة ما لا يعود عليك بالنفع.


كنت أكتسب خبرتي من خلال تحليلي لما أراه وفق تفسيري الذي قد يوافق أو يخالف الواقع، ووضعي لاحتمالات كثيرة جدا لما قد يحدث، لكني لم أكن أفضل الإلتحام بذلك الواقع، بسبب أن تحليلاتي غالباً ما تكون على صواب، الأمر الذي أكسبني قناعة أنني لا أحتاج إلى رأي أحد بشأن حياتي، و أن أحداً لن يضيف إلي شيئاً لم أضعه في احتمالاتي مسبقاً.

ربما تفهمني بصورة أوضح إن ذكرت مثالاً، لنقل أن لديك آلة مفككة تريد تركيبها بدون دليل تركيب، ما يفعله الناس عادة أنهم يبدأون بتجميع الأجزاء المتراكبة معاً و شيئاً فشيئاً يصلون إلى الصورة الكاملة عبر عدة محاولات من الخطأ. أما أنا –و من هم على شاكلتي– فسأظل واقفاً أراقبها و أحلل أجزاءها، ثم أنظر أيها يوافق بعضه، و كيف يكون إن تم تركيبه، ثم أشرع بعدها في العمل و قد عرفت أي سبيل أسلك!.

أثبتت هذه الطريقة نجاحاً كبيراً معي في الأمور العملية التي لا تدخل فيها عاطفة ما، إنما هي التحليل و المنطق المجرد. أما في الشئون العاطفية، و أعني بها كل ما يمكن أن تفعله و أنت تضع مشاعر من حولك في الحسبان، فإن عليك أن تضغط على نفسك إن كنت مثلي لكي تكبت تلك التحليلات المنطقية و التي ستخرج على هيئة نقد أجش، و تستبدلها بلطائف الكلام لإيصال نفس المعنى، و ربما طرح المنطق جانباً بالكلية في بعض الأحيان.

غير أن لكل طريقة معايبها، و عيب طريقتي هذه يظهر في أنا و ليس في الطريقة نفسها، فصاحب ذلك الأسلوب لا يقدم على عمل إلا و هو واثق من نجاحه، بسبب تلك الاوقات الطوال التي قضاها في التخطيط و الدراسة و التحليل داخل عقله، فعندما يحدث عارض ما لم يخطط له أو يحسب حسابه و يقع ما كان يخشى، فإنه يكون كمن خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق. و سيستغرق وقتاً طويلا في التعافي و الإفاقة من تلك الصدمة. و إنه على صدمته تلك، لن يبوح لأحد بما يجد، كما قلت سابقاً، فإن نفسه تأبى البوح لظنها أن ذلك منقصة لكمال رجولته و لأنه لا يحب إذاعة أسراره.

لكن هناك نقطة فارقة هي التي أريدك أن تنتبه لها، و هي بيت القصيد. لقد وجدت من هو مثلي من أصدقائي، غير أنهم أكبر سناً في الغالب –غالب أصدقائي يكبرونني سناً!-، و بعضهم في نفس سني في أحيان أخرى. وجدتهم لا يجدون غضاضة في الإسرار إلي بما قد يضطرب في صدورهم، ربما بعضهم يريد أن يستمع لنفسه عبر إسماعي ما يريد، فهو لا يريد مشورتي حقاً، لكن التكلم في الأمر يجعله مفصلا أمامه ليخرج هو منه بفائدة، كالذي يكتب خطته على ورقة أمامه ليرى أبعادها بشكل سليم.

ولعله يريد سماع رأيي ليتأكد أنه فعل الصحيح إذا فصلت أنا الأمر بمنطقي و خرجت بنفس قراره الذي اتخذه، لأن تفكيري و أنا الذي لست في المشكلة أصفى ممن هو واقع بها، أو لعله فقط يرتاح لمجرد البوح بما أثقل صدره.

و لعله يقص علي ما حدث معه لآخذ أنا العبرة منه، لئلا أقع في ما وقع فيه، أو لكي أنتبه كما انتبه هو قبل فوات الأوان، و هذا لمسته في غير واحد من بعض المخلَصين، ممن جاوزوا مرحلة الصداقة إلى رباط أقوى، ذلك الرباط الذي يجعله يخشى عليك كما يخشى على نفسه، تلك الرابطة التي تسقط كل الحواجز بينكما لتشعرا أنكما تفكران بعقل واحد، و تمشيان بجسد واحد، تنظران لبعضكما فيفهم كل واحد عين صاحبه. إذا وجدت من هو هكذا يا قارئي العزيز، عض عليه بالنواجذ، و لا تسمح لنفسك أن تخطئ في حقه.  و لقد وجدتُ أمثال هؤلاء في غير مرحلة من حياتي.

فهذا كله كان يحكي عن السبب الأول الذي كان يجعلني أحجم عن الكتابة في شئون نفسي، و الذي أعانني الله على التحكم به، فقد وجدت أن تفكير عقلين أفضل من عقل واحد، بالغاً ما بلغ ذلك العقل، فلابد أن ترى بعين غيرك، و إن كنت أنت صاحب الحكم في النهاية، و أريدك أن تستخدم هذه الطريقة مع أولادك، مع زوجك، مع كل حالك و شأنك. فتوحيدك لجانب صنع القرار في حياتك ليقتصر عليك أنت فقط، سيؤدي بك في النهاية إلى وضع مزري، كنت أراه بأم عيني في نفسي، و فيمن رأيتهم من أهل الصعيد، فغالبهم سيد بيته الأوحد، الذي إن قال إلى اليمين، وجدت أسرته تتخذ جانب اليمين بلا جدال. لأن الجدال لن يجدي مع من أحكم رأيه و لم يسمح بمناقشته مع من ينفذون ذلك القرار. و قس على هذا قراراته التي يأخذها لنفسه و مع أصدقائه و من حوله.

فلا أريد لك أيها القارئ إلا هناء بالك، و انبساط عيشك، و إنني لا أعرضه عليك بمال أو منصب أو وظيفة أو سلطان، إنما أسوقه إليك في لطائف بسيطة قد لا يلتفت المرء لها، و لا يكاد يضع لتأثيرها حساباً. و لقد رأيت عجباً جراء تطبيقي لتلك التعديلات التي أجريتها في تعاملي مع نفسي، و في سماحي لمن حولي بمشاركتي، و مشاركتي إياهم أحوالهم. فأصبحت اكثر إدراكاً و أسرع بديهة، و بالطبع ألين عريكة، و صرت آخذ باللين و اليسر ما اعتدت أخذه بسطوة القوة و المكان.

و إنك إن نظرت في دينك لوجدت الدليل على كلامي من أمر النبي صلى الله عليه و سلم للمسلم أن يخبر من يحب بأنه يحبه، من حديث سيدنا معاذ، فلا تبخل على أصدقائك و أولادك و زوجك بهذه الرقائق، و لشد ما ستكون دهشتك حين ترى أثر تلك الرعاية عندما تعطيها لزوجتك، فلربما يطير عقلك حينما ترى تلك الكسول التي لا تقوم من السرير إلا للتلفاز و المطبخ قد استحالت ريحانة في البيت تطوف به، و نحلة لا تهدأ تقوم ببيتها كأنه مملكتها، تخشى عليه لحبها لك، و تزينه ابتغاء مرضاتك، و لا تغفل زينتها لتبدو لك في أبهى صورها.

ذلك، فقط إن تنبهت لما انتبهت له أنا مؤخراً، و تنزلت من برجك العاجي، ثم سأكون ممنوناً إن عدت و أخبرتني بوسيلة ابتدعتها أو بحثت عنها لكي ترضي شخصاً يحبك، أو مرة خرجت فيها مع صديق تحدثه بأمر عندك، تبتغي رأيه، أو تعطيه عبرة.

أما سببي الثاني، والذي كان يمنعني أن أظهر ما بداخلي من فرح أو حزن أو خوف أو غيره، فضلا عن التحدث بشأن أمور تخص عاطفتي، كان حادثة وقعت لي في صغري، فقد أسأت التصرف مع أحدهم، ثم لما أردت الإعتذار، و كان هذا عزيزاً على نفسي بالطبع و إن كنت أنا المخطئ، كنت أتعمد إظهار الضيق و الأسف أمام ذلك الذي أخطأت بحقه، و لم أكن أخدعه بهذا، فقد كنت آسفاً حقاً، لكنني أردته أن يرى أسفي، فلما رأى ذلك مني قال لي ” أظهر حزنك ما شئت، لا تظن أن هذا سيجعلني أشفق عليك! “.

وقع علي ذلك القول بالطبع كوقع دانات المدافع على ما تقصفه، فليس ذلك ما كنت أريده، و كان الرد فيه إهانة لي أيما إهانة، فآليت على نفسي ألا يرى أحد بعدها حزني أبداً، أو يلمس شيئاً مما بداخلي، و ربما بلغت في ذلك مبلغاً كبيراً، حتى صرت للناس أبرد من الثلج، و لم تعد ملامح وجهي تعطي انطباعاً عما بداخلي، بل ربما لم تعد أفعالي تنطوي عما أُكِنُّ حقيقةً، اللهم إلا في غضبة للدين أو فاجعة قد تنزل، و كانت نفسي كلما جُرحَت أو كُسرَت، بالَغَت في علوها و أنَفَتِها لكي لا يُرى ما بها.

و صار الناس بعدها يطالبونني بإظهار تقدير لموقف قد يحصل، أو حادثة قد تَعرَض، و من بينهم ذلك الرجل نفسه صاحب الحادثة التي ذكرتها للتو. هم لا يدركون أن معاركاً ربما تدور في داخلي، و ربما أكون أكثرهم إدراكاً بما يحدث، لكني لا أود إظهار ذلك، فما جنيت منه إلا انتقاص مكانتي. و بما أنني أذكر ذلك، فإنني لا أدفع أحداً ليخبرني بأن هناك أشخاص طيبون في هذا العالم و أن هناك من يستحق أن أشعره بأنني أهتم. فلقد أدركت ذلك، بل لولا أنني أعرف هذا ما كتبت هذا الكلام الذي تقرأه الآن!.

لعل ذلك ترك جراحاً لا تلتئم، ما زلت أشكوها إلى الآن، غير أنني تعلمت أن هناك ممن حولي من له تلك اليد التي تلمس فتُبرئ، و أنه أهل للإطلاع على ما بداخلي، فقد يساعدني على النظر إليه مرة اخرى علّي اجد الطريق لشفائه، بل ربما في بعض الأحيان، وجدت من أصدقائي من حالهم نفس حالي، و لربما كانوا أكبر مني كما ذكرت، و بالتالي فقد تعاملوا مع أزماتهم و تجاوزوها بنجاح أو بفشل، لكنهم على أي حال، سيجدوا درساً يخبرونني به من تجربتهم تلك.

على أنني أعرف أن كل ما مررت به من تجارب منتقاة بعناية من الله هو ضربات بتلك الفأس التي تنحت شخصيتي لأكون ما أنا عليه الآن و ما سأكون عليه مستقبلاً، فإن ذلك أكسبني صفات أحسب أنها لازمة لي، بل ربما لا أستطيع إكمال شهر في تلك الحياة بدونها.

و إن لم تجد يا صاحبي من أقرانك من تبوح له و تشاوره، و ترفع حواجزك السميكة أمامه، فعليك بالذي لا تخفي عليه الخفايا، و لا يعجزه شئ في الأرض و لا في السماء، من قوله الحق، و وعده حق، السميع العليم، القريب المجيب، اللطيف الخبير، الرحمن الرحيم. فهو الذي يتنزل لك كل ليلة إلى سمائك الدنيا، ينتظرك، ينتظر إقبالك عليه، لتخبره بما تريد و ما تشاء. و لن يقاطعك، لن يسفّه فعلك، لن يهزأ بك، لن يضحك مما فعلت أو مما تريد. و اعلم أن الله هو الذي يستمع لك كما تشاء، في أي وقت تريد، و هو كذلك الذي بيده كشف الضر عنك و رفع البلاء.

إلى هنا ربما أكون انتهيت من السببين الذين كانا يمنعاني من التحدث عن أمور نفسي، ربما سأضع ما أردت التكلم بشأنه أصلاً في تدوينة قادمة. من الأفضل أن أجعلهم على جزأين لتدوينة واحدة، بداعي الربط بينهم فقط.