رحلة إلى مركز الجيش – الجزء الثاني

أعتقد أن تلك الليلة كانت الأسوأ على الإطلاق!، لقد قضيناها بالكامل في القطار الحربي، ومع غياب النوافذ، فقد كدنا نتجمد للموت!. لم نكن في منتصف الشتاء، لكنك ستشعر كأنك انتقلت في بعد آخر إلى صحراء سيبيريا المتجمدة، فالهواء البارد ليلاً بين الحقول يتحول إلى سهام ثلجية قاتلة تخترق جسدك وتنفذ من عظامك إذا كنت تسير فيها بسرعة. فيزيائياً، الأمر يشبه قذفك ببطيخة في وجهك وأنت تسير بسرعة ستين كيلومتراً في الساعة، قد تحطم عظام وجهك.

لقد كانت ليلة في جحيم بارد!، هكذا تبدو لي دوماً كلما تذكرتها، اقتبست الإسم من إحدى فصول لعبة Max Pyne. على أي حال فقد كانت هناك بعض المحاولات ممن حولي في القطار للتغلب على ذلك البرد، فبعضهم حاول النوم فوق أرفف الأمتعة بعيداً عن النوافذ، والبعض الآخر آثر النوم على الأرض تحت المقاعد!، لم تفلح أياً من تلك المحاولات.

لقطة من لعبة ماكس بين، تترجم حرفياً إلى يوم بارد في الجحيم

لقطة من لعبة ماكس بين، تترجم حرفياً إلى يوم بارد في الجحيم

البقية الباقية من الجنود استغرقوا في الرقص والغناء طول الليل، أملاً أن تدفئ أجسادهم تلك الحركة المستمرة وحرارة أجسادهم القريبة من بعضها. أما أنا وقليل من الذين آثروا عدم الإنخراط في تلك النشاطات، فقد قضينا ليلتنا نسلي أنفسنا بمراقبة أفعال من حولنا تارة، وبالحديث تارة أخرى، وبالدعاء أن تنتهي تلك الليلة أيضاً. حظيت تلك الليلة بمتحدث جيد أبقاني منشغلاً نوعا ما عن البرد. الحمدلله أنني أحضرت معطفاً معي تحت إصرار من أمي، ولو كان خفيفاً إلا أنه قلل من الصقيع الذي كاد يقتلني.

حين أتفكر في تلك الليلة مرة أخرى، أجد أنها حلقة في سلسلة من الأيام المتصلة ببعضها تمثل مرحلة انتقالية بين حياتين، مرحلة تجذبك فيها الحياة بعنف شديد، كأنها تخلعك من بين أضلاعك. يوم في منطقة التعبئة “المكان الذي تم ترحيلنا منه” وليلة ونصف يوم في القطار ثم يوم بعدها، لترتطم أخيراً بقاع ذلك الجحيم بعنف. وعندها يتفاوت الأقران في الإفاقة من ذلك الإرتطام، كما سأذكر إن شاء الملك فيما بعد.

وصلنا نحن إلى محطة رمسيس في القاهرة قبل أن يصل أي شعاع من الشمس إلى الأرض، لا تجعل سياق الكلام يخدعك بسرعة وصولنا قبل آشعة الشمس، فإن لنا نحواً من نصف دورة أرضية كاملة حول نفسها في ذلك القطار!. وخرجنا من القطار لنجلس صفوفاً على رصيف المحطة، ثم خرجنا منها إلى حافلات كثيرة نستقلها صفوفاً أيضاً، وتفرق حينها أخلاء القطار ربما إلى غير عودة، وأصبح من كنت تحدثه كأفضل أصدقائك منذ قليل كأنه غريب عنك، فكلهم مشغول في ما هو مقبل عليه.

ألا يذكر هذا بالحياة الدنيا ويوم الحشر؟ ألسنا نعيش مع بعضنا ونتكاثر ونُخرج من أرحامنا أولادنا، حتى إذا نزلنا من القطار إلى أرض المحشر فررنا من بعضنا إلى الحساب كأننا جراد منتشر؟ ليت شعري أي غفلة تلك التي نغرق فيها!، ألا يلتفت أي منا ونحن خارجون من تلك البوابات إلى تلك الحقيقة البازغة في تماثل الموقفين؟.

أليس مشهد ذلك الوالد الذي يركض خلف القطار قبل أن ينطلق بنا إلى وجهته ليودع ولده الباكي يشبه موقف أحدنا حين يواري عزيزاً عليه في القبر؟ ألسنا كلنا نفعل ذلك؟ ثم ينطلق القطار بصاحبه؟. إن الغفلة تُغشِّينا كما لو كنا نسبح داخلها، إن الأمر ليلتبس إلا على من رحم ربي، ولقد التبس علي فلم أنتبه إلا ساعة كتابتي لتلك الكلمات، بل إنه التبس علي إلى أن كتبت تلك الترجمة التي تقرأها الآن وليس النص الحقيقي الذي كتبته حينها.

لعل هذ يكون أحد فوائد تسجيل الخواطر، من باب تقييد العلم، فرب مبلَّغ أوعى من سامع، ولعلي قد حفظت الفائدة ليستفيد منها غيري إذ لم أستفد أنا نفسي منها في حينها، عزائي أني استفدت منها أخيراً على أي حال.

بعد تلك الليلة لم نحظ بوقت لأي راحة على الإطلاق، توجهنا بالحافلات إلى مركز التدريب. في ذلك الوقت لم أكن أدري إلى أي مكان سأذهب، لكنه أحد اثنين على أي حال، إما في القاهرة أو الإسكندرية، هكذا قيل لنا.

وبقيت أصارع نفسي لأبقى مستيقظاً لأرى أين يستقر بي الحال، وكان ذلك مهماً لي لأنني أردت البقاء في القاهرة أطول فترة ممكنة من أجل اختبارات التقدم للهندسة التي تفصلني عنها عدة أشهر. وفي ضباب الصباح المخيم على الجو من حولي لمحت لافتة مكتوب عليها الإسكندرية، حمدت الله على قضائه وأرخيت دفاعي أمام الإرهاق الرهيب الذي يقاتل جسدي ليستولي عليه، فلما أن رأى استسلامي أطلق جحافله لترخى سدله علي لأذهل عما حولي.

أفقت على ضجيج الجنود “هل يصح أن أقول الجنود الآن وقد وصلوا إلى معسكراتهم؟” وهم ينزلون من الحافلات في وسط صحراء مقفرة، لم أدر أين أنا حتى وقعت عيني على بوابة كبيرة تقول بأننا في القاهرة، الحمدلله! إذاً لم نذهب للإسكندرية.

وبقينا نحواً من ساعتين لإنهاء بعض الأمور العالقة ولمحاولة دفعنا للشراء من البقالة الموجودة في المنطقة، وللسماح ببعض البائعين باستغلال أولئك الجنود المرهقين الجاهلين بما ينتظرهم أن يخدعوهم بأنهم لن يجدوا طعاماً لأيام في محاولة لدفعهم للشراء. وقد نبهني أحد أصدقائي من قبل أنني سأرى كل ذلك، وكنت أراه بالفعل أمامي.

تبقى شيئان يستحقان الذكر قبل أن نرحل عن هذا المركز، أولهما أن أحد ضباط الشرف “مصطلح يطلق على ضابط الصف المتطوع الذي ترقى إلى رتبة ضابط” كان يعامل الجنود بغوغائية شديدة، فنهره أحد الضباط مانعاً إياه أن يسب الجنود، لعلهم أدركوا أننا في مرحلة قلقة مما يحدث حولنا في تلك الآونة، فلم يكن من الحكمة افتعال المزيد من المشاكل مع شباب لعل بعضهم له خلفيات سياسية.

والثاني أننا وجدنا الجنود القادمين من شمال مصر في تلك المنطقة أيضاً، ويبدو من هيئاتهم أنهم لم يعانوا الكثير في الوصول إلى المركز، فهم من مناطق قريبة على أي حال، ولما أتى قائد المركز ليلقي كلمته، بدأ بتحية الجنود، فانسابت تحية ناعسة منهم كأنهم نيام، في العادة كنت لأقول لنفسي في موقف كهذا الآن ينهرهم أنهم رجال وكذا ليستفزهم.

لكن ما فعله كان طريفاً للغاية لدرجة أنه أنسانا للحظة ما عانيناه، فقد أمر الجميع بالصمت عدا الجنود القادمين من الصعيد، ثم ألقى التحية مرة أخرى، فارتج الموقف بهدير صياحهم!، وقد كان السقف من الصفيح فسبب ما يشبه موجات القنابل التي تأتي بعد انفجارها، وأنا أقول لنفسي أأولئك الذين كانوا يرتجفون كالعصف المأكول ليلة أمس؟!

بعد ذلك الصباح توجهنا إلى مركز التدريب، الوجهة الأخيرة، يوم آخر من الإرهاق والتعب، وكأن ليلة الجحيم تلك لا تريد أن تنقضي. لكننا وصلنا مركز التدريب بالنهاية وظننا أننا قد نرتاح، حسناً لقد كنا مخطئين.

لا أستطيع تذكر هذا الجزء، وكأنه محي من ذاكرتي، لكن هناك بعض التفاصيل على أي حال التي بقيت من اللحظة التي وصلنا فيها للمركز إلى الوقت الذي تم توزيع مهماتنا العسكرية علينا “المهمات العسكرية هي الملابس، الأغطية، إلخ .. ليس لها علاقة بأي معنى لمهمة، أليس كذلك؟، أعرف”.

و في تمام العاشرة ذهبنا إلى أسرّتنا لنسقط أخيراً موتى من الإجهاد، وفي اللحظة التي سقط فيها جفناي وأنا في السرير شعرت بقرع شديد على باب الغرفة أو كما يسمونها هنا “العنبر”، التفت برأسي من تحت الغطاء لأجد جندياً في كامل زيه العسكري يصيح بنا أن نتهيأ ليوم جديد!.

ماذا؟! لقد أغلقت عيني لتوي!!، نظرت للساعة فوجدتها الرابعة فجراً، يا للهول!، كيف حدث ذلك!؟ لا أدري إلى الآن، لكنه حدث.

أربعة أيام أخرى من الإجهاد البدني ليصير هذا الأسبوع هو الذي أتحول فيه من شخص مدني إلى رجل عسكري إلى أن بلغت حدي البارحة. وفي حالتي أنا، فقد تحولت فعلاً إلى رجل عسكري، أنا آخذ تلك الأمور بجدية تامة، ربما للأمر علاقة بحبي للنظام منذ صغري، لكن ذلك النظام على أي حال لم يكن له علاقة بمن هو أعلى مني، ففي حالة مثل العسكرية، أنت لا تناقش، أنت تنفذ فقط.

حسناً، لنر لاحقاً كيف سيجري ذلك!.

 يتبع.