رحلة إلى مركز الجيش – الجزء الثالث والأخير “تفاصيل منسية”

بدأت أتذكر بعض التفاصيل من ليلة الترحيل الباردة في القطار، والتي فضلت أن أسميها ليلة في جحيم بارد، كما وصفتها في الجزء الثاني.

قابلت في تلك الليلة شاباً لطيفاً كان يدرس الهندسة في جامعة أسيوط، ويعيش في مدينة الألومنيوم -مجمع سكني كبير خاص بالعاملين في شركة مصر للألومنيوم في قنا-. كان يحمل رأساً ذا فكر تحليلي -كما تتوقع من دارس هندسة مثالي-، وبالطبع تطرق الحديث إلى “أولئك الذين يجب ألا يذكروا”، يبدو أنه قانون جودوين الخاص بتلك الفترة، مع تعديله أن أي نقاش إذا طال لفترة كافية ستصل إلى نقطة يأتي فيها “أولئك الذين يجب ألا يذكروا”، بدلاً من هتلر والنازية في قانون جودوين الأصلي. لكن على أي حال فإن الفتى لديه عقل جيد.

تذكرت أيضاً أمراً عجبت كيف نسيته!، وهو ما كان من أمر نوافذ القطار، ليس أنها غير موجودة أصلاً أو مكسورة في أغلب الحالات، وليس أنها تدخل إليك سهاماً ثلجية تخترق عظامك!، بل شئ آخر تماماً، إنها القذائف الحجرية!.

لقد حذرني منها عدة أصدقاء من قبل، أخبروني أن آخذ حذري ولا أرخي دفاعي، بسبب أطفال يعيشون حول السكة الحديدية يبدو أن هوايتهم المفضلة هي رشق نوافذ القطارات بالحجارة!!.

مع أول وابل من القذائف تلقيناه ليلاً في محافظة أسيوط، في منتصف الرحلة تقريباً، ظللت برهة أفكر في مدى تأثير تلك الحجارة وأنا أنظر بجانبي إلى ثقب في النافذة يشبه ذلك الذي تحدثه رصاصة من عيار 50 مليمتراً في جدار! –للمقارنة، فإن رصاصة المسدس تكون غالباً عيار 9 مليمتر-.

قدرت أننا نسير بسرعة 60 إلى 90 كيلومتراً في الساعة، وقدرت أيضاً أن هناك احتمالين على العموم لمسار الحجر الذي سيدخل من النافذة أو يخرقها:

إما أن الطفل سيلقي بالحجر في نفس اتجاه سير القطار، وحينها لن يكون مؤثراً إذ أنه مقارنة بسرعة القطر سيبدو وكأنه متوقف أو حتى يرجع إلى الخلف!، طبقاً لحادثة مشابهة وقعت لطيار في الحرب العالمية الثانية حين وجد جسماً غريباً يطير بجوراه فأمسكه فإذا هي رصاصة!، لكنها أصبحت بعد زمن معين من إطلاقها تسير بسرعة ذلك الطيار فأصبحت بالنسبة إليه متوقفة في الهواء.

وإما، في الحالة الثانية، أن يلقي الطفل الحجر مباشرة نحو القطار أو في عكس اتجاه سيره وهي الحالة الأسوأ. وباعتبار تلك الثقوب الكبيرة في النوافذ فإنني أستنتج أنني أمام هذه الحالة، فالطفل سيدرك بعد عدة رميات أن إلقاء الحجر في نفس اتجاه القطار غير مؤثر لذا فإنه على الأرجح سيعكس اتجاه رميته. بالنسبة إلينا في القطار فهذا يعادل قذفك بحجر في وجهك بسرعة القطار التي تسير بها أياً كانت، أو ربما مضافاً إليها سرعة الحجر إن ألقي في عكس اتجاه سير القطار بك، ومع أنها لن تضيف إلا قدراً ضئيلاً لكنها سرعة كبيرة لا تحتمل إضافة شئ إليها!.

أفقت من تفكيري على صوت ذلك الشاب الذي تحدثت عنه وهو يخبرني أن أحد أقاربه فقد عينه أو كاد بسبب حجر أصابه مما يلقيه علينا أولئك الأشقياء، وعاد صوت وابل الحجارة على صفيح القطار يرن في أذني بعد أن كاد يغيب أثناء استغراقي في تفكيري قبل قليل.

يبدو أنه من الأفضل أن أنتبه إلى أولئك الصغار حتى نخرج من المدن، إن نظرة واحدة غير محسوبة إلى زجاج النافذة ستكون أكثر من كافية لإحداث إصابة يصعب علاجها ونحن نسير في القطار، ولا أعتقد أن القطار به طبيب أو أنه سيتوقف لكي أذهب لمشفى وإن كان في صحبة أحد العسكريين المرافقين لنا، فإنهم سيعتقدون على الأرجح أنني أحدثت تلك الإصابة متعمداً لكي أجد ذريعة للهرب من الجيش.

بعد أن وصلنا لمركز التدريب في مكان يدعى الجبل الأحمر -أو كان الأصفر؟ لا أذكر!-، تم استبقاؤنا قليلاً أمام بضعة جنود يخدمون بالمركز. لتتخيل المشهد، فإننا نقف بانتظام في صفوف متتالية أمام جنديين أو ثلاثة يتوسطهم زميل لهم يجلس على كرسي واضعاً إحدى رجليه على الأخرى، ويلعب بقبعته في يده، وكأننا رهائن أمام زعيم عصابة وليس أمام زملاء لنا في الجيش.

هذا بالضبط ما تفعله السلطة في يد من ليس أهل لها، فسلطتك هنا في الجيش تحصل عليها بعدد الأيام التي خدمتها، فالجندي الذي وصل قبلك بساعة هو أقدم منك، وله حق قيادتك!، كائناً من كان ذلك الجندي، وقس الأمر على الضباط أيضاً. هذه حماقة خالصة، ماذا لو كان ذلك الجندي أحمقاً؟ ماذا لو كان جاهلاً متسلطاً سيئ الخلق والسريرة؟

كنت أسمع بعد انتهاء خدمتي في الجيش بعض الجنود الذين خدموا في مراكز التدريب وهم يتحدثون بتلذذ عن الأيام التي قضوها في إذلال أولئك الجند المستجدين والذين أتوا لتوهم من الحياة المدنية، خاصة إن كانوا من حملة المؤهلات العليا، فأولئك لهم معاملة خاصة، إذ أن الجنود الذين يخدمون في مراكز التدريب في الغالب أقل منهم في التحصيل العلمي.

وكان الأمر ليمر بسلام إذ أنه وفقاً لمنطقي، فإن أياً من كان الذي سيدخل الجيش ليست له أفضلية عما حوله في شئ لأن الأمر جديد على الجميع، والأمر النافذ هنا يطبق على الجميع لأول مرة، ويواجهونه لأول مرة، وباللغة العربية، فليس هناك شئ للبعض دون البعض الآخر. اللهم إلا في توزيعهم في الخدمات وغيرها، فيفضل عندها مثلاً حسَن الخط ومن يجيد التعامل مع برامج الحاسوب المكتبية في الأماكن الإدارية.

لكن معاملة الضباط لجنود الجامعات على أنهم أصحاب أخلاق أعلى مما سواهم، ومخاطبتهم بالحسنى في نفس الوقت الذي يقرع فيهم غيرهم بعصا العسكرية الصارمة، بافتراض أنهم كانوا يدرسون الأخلاق في الجامعة مثلا!، إضافة إلى نظرة أغلب جنود الجامعات إلى إخوانهم ممن لم يلتحقوا بها نظرة دونية تستحقرهم وتقلل من شأنهم. كل ذلك ساهم في خلق فجوة عظيمة بين الفريقين.

وقد عشت بعض تلك التجارب بنفسي من منظور تلك الفئة التي يساء إليها، فئة الذين لم يتلقوا تعليماً جامعياً إذ أنني لم ألتحق بجامعة، وظهرت سريعاً جداً في أول أيام مركز التدريب إذ كان يتم التصنيف على أساسها في كل شئ تقريباً، فهي دوماً على السطح ولا مجال لإخفائها.

وكنت يوماً أنا وزميل لي في انتظار أحد الإختبارات الطبية التي نجريها لملء بعض الملفات الناقصة لديهم إذ أقبل جنديين علينا، سألني أحدهما عن فصيلة دمي فأجبته أنها A موجب.

شخص بصره إلي في ازدراء للحظة ثم قال: لعلك تقصد (A Plus)؟!، والتفت إلى زميله قائلاً: “تعليم متوسط!”.

نظرت إلى صديقي الذي كان معي وقد احتبست المشاعر في وجهي، ولم أدر هل أنفجر ضاحكاً أم باكياً؟!. وإن كنت أسأل نفسي أحياناً كيف عرف أني لست من فئة التعليم الجامعي، لعله رآني قبل اليوم الذي أتى فيه طلبة الجامعات، فاستنتج أني لست منهم. لاحقاً بعد تلك الحادثة بسنوات، حين عرف أحد أصدقائي بالأمر وقد كان طبيباً، أخبرني أن الصيغة السليمة لها إما موجب أو سالب (Negative/Positive)، وليس Plus. على أي حال فهي عينة مما يتعرض له أصحاب تلك الفئة من مستوى المعاملة، وهي تزيد تلك الهوة كما قلت بين الفريقين.

شئ آخر كدت أنساه، وهو السبب الذي كان يجعلني أكتب في دفتري بالإنجليزية عوضاً عن العربية.

حسناً، بادئ ذي بدء فإن الأمر ليس عجزاً عن التعبير بالعربية، ولا تبعية أو انبهاراً بالغرب ولا غير ذلك، وإنما كنت أفعل ذلك لسبب واحد فقط، وهو تقليل عدد من يقرأ ما أكتبه، وإلا فإنه من غير المنطقي أن أترك لغة بها ما يزيد عن 12.000.000 كلمة لصالح لغة ليس بها إلا نحو ستمئة ألف فقط!، فإنني لا أخفيك أني كنت أشعر أن لساني مقيد وأنا أكتب بالإنجليزية، لكثرة التعبيرات التي أود كتابتها وأضطر للإلتفاف عليها في الإنجليزية لكي أكتبها.

ولأؤكد أن الأمر لا يتعلق بالإنجليزية بعينها، فقد نويت تعلم اليابانية لذلك الغرض، كما ترى من غلاف دفتري، وكنت قد كتبت عليه “يومياتي” باليابانية -تقرأ: واتاشي نو شكؤ-

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

لكني عدلت عن اليابانية لضيق وقتي عن تعلمها فيما بعد. وعلى أي حال، فقد آتت تلك الطريقة أكلها معي، خاصة أيام العسكرية، وهي أحوج ما أكون فيها إليه. فقد كان من يمسك بدفتري أثناء تفتيشي يفتحه من اليمين، فلا يجد شيئاً، فيرجعه إلي. وإن أكمل إلى نهايتها وسألني عما فيها أخبرته أنها أعمال لي، فيتركها أيضاً. وكان الوضع ليتغير بالطبع لو كان الكلام عربياً، فلن يسألني عما فيها، وإنما سيقرأ بنفسه.

ولا أقول بهذا أني أكتب فيها أشياء تمسني بسوء أو قد تؤثر علي فيما بعد، وإنما لم أكن أحب ذلك التطفل الذي يكون لدى البعض، خاصة إن كان يمارسه بدعوى التفتيش. فالكتابة باالإنجليزية بهذا الخط الذي لا يكاد يقرأ يساوي استخدام نص lorem ipsum في تصميمات مواقع الإنترنت، فهو نص لاتيني، ولن تفهمه حتى لو كنت تتقن الإنجليزية، لكنه موضوع لذلك الغرض تماماً. لكي تراه عينك ولا تنتبه إليه.

أعتقد أني سأكتفي بهذا القدر لللآن.