لماذا لم نخلق بأجنحة؟

لي بضعة أيام أحاول وضع شئ مفيد في أول الصباح أثناء إفطاري ولمدة ساعة أو نحوها إن تطلبت المادة ذلك، وجربت أن أشاهد محاضرات TED لفترة لكنني لم أجد في نفسي ميلاً إليها حيث أنها قد تكون أحياناً في أمور ﻻ أهتم لها على الإطلاق، فعدلت عنها إلى يوتيوب، حيث أستطيع التحكم بما أريد مشاهدته تماماً، بل والتعليق على ما أشاهد وطرح أسئلة أو إضافات إن لزم الأمر. وكان من بين ما هوت نفسي أن تشاهده بضعة قنوات علمية تابعة لبريطانيا، وقد رأيت من نفسي انجذاباً إليها لحبي للعلوم والفيزياء بشكل خاص.

وبينما أنا أشاهد أحد تلك المقاطع اليوم، إذ خطر لي كيف أن أولئك القوم أصبحوا مهتمين بالعلوم المادية ونشرها، وكيف أنني كنت أجد بعضهم في أماكن أخرى على الإنترنت يزدرون الأديان ويحقرون تابعيها، لما رأوا من تخلف الشعوب التي تتبع أدياناً وملل. بل كيف أنهم رزحوا قروناً تحت فساد الكنيسة في أوربا، ومحاربتها للعلم وتطوره.

ولعل أكثر ما يحز في نفسي ألماً هو كلام د. نيل تايسون عن الأمر، فقد تكلم في غير مرة عن العصر الذهبي للإسلام في القرن الثامن إلى الثاني عشر، عندما برع المسلمون “ليس العرب!، وإنما المسلمون سواءاً كانوا عرباً أو أعاجم” في العلوم وقدموا إسهامات مبهرة للعالم الحديث، وجعل يعدد تلك المناقب والإكتشافات التي قاموا بها.

ثم إنه يقول أنهم لما اتبعوا “أبو حامد الغزالي” والذي كان قد نهاهم عن دراسة الرياضيات،سقطوا إلى قاع الأمم ولم يقوموا بعدها إلى الآن.

لعل الدكتور تايسون ﻻ يعلم أن العصر الذهبي للإسلام كان قائماً على أوامر مباشرة من القرءان والسنة!، فأول كلمة نزلت إلينا كانت “اقرأ”!، وتلك النجوم واﻷجرام السماوية التي اكتشفها المسلمون والعلوم التي استحدثوها وطوروها مثل الكيمياء والجبر والطب وغيرها، كانت تطبيقاً مباشراً ﻵيات التفكر والتدبر في الكون!. اقرأ إن شئت:

﴿ أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِن تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُور ﴾

﴿ قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانظُرُوا كَيْفَ بَدَأَ الْخَلْقَ ۚ ثُمَّ اللَّهُ يُنشِئُ النَّشْأَةَ الْآخِرَةَ ۚ إِنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ ﴾

﴿ أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَىٰ أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ ۖ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ ﴾

﴿ إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآَيَاتٍ لِأُولِي الْأَلْبَابِ * الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَاماً وَقُعُوداً وَعَلَى جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلاً سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ ﴾

﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَى * وَالنَّهَارِ إِذَا تَجَلَّى * وَمَا خَلَقَ الذَّكَرَ وَالْأُنثَى * إِنَّ سَعْيَكُمْ لَشَتَّى ﴾

﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يستحي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلاً مَا بَعُوضَةً فَمَا فَوْقَهَا ﴾

﴿ قُلِ انْظُرُوا مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا تُغْنِي الْآَيَاتُ وَالنُّذُرُ عَنْ قَوْمٍ لَا يُؤْمِنُونَ ﴾

أو حتى دليلاً معاصراً من أيامنا هذه، لو كان بعض علماء المسلمين الآن أحياءاً لوجدنا لهم حسابات على تويتر ينشرون أشياء مثل:

على أي حال، بالعودة لتلك المقاطع التي كنت أشاهدها، فقد خطر لي أسئلة الباحثين عن دين جديد لهم أو المنكرين لوجود إله، ماذا لو كان الله قد أنشأ قبلنا قروناً أو أسلافاً أقل تطوراً منا، ثم لما رأى خطأ ما صنع، عمد إلى جنس آخر أكثر تطوراً وتلافياً ﻷخطاء من سبقه، وهم نحن في هذه الحالة، سواءاً كنا تطورنا من قرود أو من سلالة أخرى على كوكب آخر من مجرة أخرى تماماً.

لكني في هذا السؤال على أي حال أفترض وجود إله، فمحاولات إنكار وجود صانع مبدع لذلك الكون تبدو حمقاء بالنسبة لي، كما تبدو فكرة خلق الحاسوب الذي يستعمله الذي ينكر وجود إله من العدم دون وجود شركة مصنعة له حمقاء تماماً. حسناً، لنعد إلى ما خلق الله قبلنا وتواجد على هذا الكوكب فقط، من باب تقليل أماكن البحث، ومن باب أني لا أستطيع الحكم على شئ لم أره أو أر أثره الذي يدل عليه.

ولما نظرت إلى ما في الكون من حولي، وجدت أننا نعاني قصوراً في نواحي كثيرة وبشكل ملحوظ، تشعر أن من وضعها تعمد وضعها بذلك القصور. فمثلاً نحن ﻻ نستطيع مجاراة الخيل في سرعتها، ليست لدينا تلك القوة العضلية الدافعة وذلك القلب الضخم الذي يمدها بالغذاء، وتلك الرئة العظيمة التي تمد القلب باﻷكسجين!.

لماذا لم نحصل على قوة الخيل؟ على الأقل لم نكن لنحتاج إلى وسائل مواصلات قبل اختراع السيارات، فقد كان من الممكن أن يستخدم بعضنا بعضاً للوصول إلى اﻷماكن التي نريدها، وكنا لنوفر الموارد الغذائية التي يستهلكها الخيل ﻷنفسنا!، أليس كذلك؟

ومن ناحية أخرى، لماذا لم نُخلق بأجنحة؟ لماذا هناك طيور تستطيع اختراق الهواء ونحن نعجر عن ذلك؟ لماذا وجدت قبلنا كائنات عملاقة لها أجنحة ومخالب وعضلات أقوى وأكبر مما لدينا؟ لماذا؟ وإنما أعني الديناصورات على سبيل المثال بالطبع.

لماذا هناك حوت ضخم بحجم بنايات كبيرة يجوب البحار دون أن يختنق ونحن ﻻ نستطيع ذلك؟ لماذا؟

 

بل هناك شئ آخر أكثر إثارة من ذلك … .

كما قلت إني أفترض في كلامي وجود إله وبينت السبب على ذلك باﻷعلى، وافتراض وجود إله يعني أنه سيخاطب تلك المخلوقات التي صنعها، وإﻻ فمن العبث إنشاء مخلوقات وكائنات تعقل دون مخاطبتها أو إرسال مهمة إليها أو جعلها تعمل لهدف ما، هذا من المنطق البشري، فما بالك بمنطق إله حكيم مبدع لكون بذلك الحجم والنظام؟

نحن نعرف من تلك الرسائل التي أرسلها الله ﻷنبيائه الذين اختارهم ﻹبلاغنا بتلك المهمة، أن هناك جنسين من الخلق لم نرهما بعد، لكن هناك القليل منا رأى آثارهما التي تدل عليهما.

أول جنس منهما هم الملائكة، أولئك الخلق الذين خلقهم الله ليسبحوه بالليل والنهار ﻻ يفترون، منهم من يأتي بأخبار الكون والمخلوقات والعباد في يوم يوازي خمسين ألف سنة! “وفقاً لفهمي فإن ذلك ممكن إذا صحت نظرية النسبية ﻷينشتاين وأن الزمن نسبي للمكان وغير ذلك”، ومنهم من يحمل العرش، ومنهم من يرسلهم الله حفظة علينا، ومنهم المسئول عن قبض أرواح العباد عند أوان أجلهم، وهكذا.

ذلك الجنس يستطيع تغيير هيئته إلى هيئة بشرية! والعودة إلى هيئته الطبيعية مرة أخرى -كما في أحاديث سيدنا جبريل-، ويستطيع التواصل بطرق غير الكلام المسموع -أيضاً من أحاديث الوحي-. كما أن له أجنحة أيضا!!، وذلك الجنس ﻻ تستطيع قوة أبصارنا الحالية إدراكه، كما ﻻ تستطيع إدراك أطوال موجية بعينها من الضوء، إﻻ من شاء الله له ذلك، كالنبي مثلاً “وإن كنت ﻻ أستطيع الجزم هل منح الله النبي قدرة على رؤية الملائكة والجن أم جعلهم في هيئات يراها البشر“.

وثاني جنس هم الجن، وذلك الجنس له صفات خارقة أيضاً بالنسبة لنا نحن البشر، فيستطيعون اﻹنتقال بسرعة عالية مع الحفاظ على ما بيدهم من المتاع، كما في حديث الجن الذي سأل سيدنا سليمان أن يأتيه بكرسي بلقيس قبل أن يقوم من مجلسه!. ويستطيعون التشكل أيضاً كما يريدون، وهم كالملائكة، جاءوا قبلنا.

إذاً كما يبدو من الأمر فإننا أتينا بدون الكثير من القدرات والقوى التي كانت لبعض الأجناس من قبلنا من الملائكة والجن والدواب وغيرهم، لعل في هذا حفظاً لنا من تدمير أنفسنا! “ولو بسط الله الرزق لعباده لبغوا في الأرض!، ولكن ينزل بقدر ما يشاء”. ونحن نرى كيف ندمر أنفسنا بدون حتى أن نملك تلك القوى.

ولعل الله خلقنا بتلك الصورة التي تفتقر إلى قوى الجن والملائكة والدواب التي سبقتنا من الحيتان والديناصورات وغيرها، وأرسل إلينا رسله لتخبرنا أن نعبده وحده، وأن تلك هي المهمة التي أوجدنا من أجلها، وأننا سنكافأ بالجنة إن فعلنا ذلك وفق القوانين التي وضعها، وأنه جل وعلا عوضنا عن القوى والقدرات التي كانت للجن والملائكة وغيرهم بتسخيره للكون من أجلنا، ونجد ذلك في آيات مثل:

﴿ لَن يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِن يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنكُمْ كَذَلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُوا اللَّهَ عَلَى مَا هَدَاكُمْ وَبَشِّرِ الْمُحْسِنِينَ ﴾

﴿ أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي الْأَرْضِ وَالْفُلْكَ تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِأَمْرِهِ وَيُمْسِكُ السَّمَاء أَن تَقَعَ عَلَى الْأَرْضِ إِلَّا بِإِذْنِهِ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ ﴾

﴿ أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَن يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُّنِيرٍ ﴾

﴿ اللَّهُ الَّذِي سخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأَمْرِهِ وَلِتَبْتَغُوا مِن فَضْلِهِ وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾

وغير تلك الآيات كثير مما يقصر المقام عن ذكره، وأنه جل وعلا أيضاً مع ذلك أرشدنا إلى النظر في الكون وسبر أغواره ومحاولة فهم نظمه وكيفية عمله، لعلنا نصنع منه أدوات تعيننا على عبادة الله بالشكل الأمثل، ونعوض بها تلك القوى والقدرات التي كانت لمن سوانا. أﻻ يبدو ذلك منطقياً إلى حد ما؟

  • Mohamed

    اجد غضاضة في نفسي عن تلك الجملة التالية ل “وقلت لنفسي حسناً ماذا لو كان الله قد أنشأ قبلنا قروناً أو أسلافاً أقل تطوراً منا” فهلا راجعت مقولتك او فسرتها لايضاحها

    • ماذا ترى بها من بأس؟

      على أي حال أنا قصدت ما يدور بخلد الملحدين أو أصحاب الملل الأخرى، فكما ترى صياغة الجملة كاملة:

      ” … فقد خطر لي أسئلة الباحثين عن دين جديد لهم أو المنكرين لوجود إله، وقلت لنفسي حسناً ماذا لو كان الله قد أنشأ قبلنا قروناً أو أسلافاً أقل تطوراً منا، ثم لما رأى خطأ ما صنع، عمد إلى جنس آخر أكثر تطوراً وتلافياً ﻷخطاء من سبقه، وهم نحن في هذه الحالة، سواءاً كنا تطورنا من قرود أو من سلالة أخرى على كوكب آخر من مجرة أخرى تماماً.

      لكني في هذا السؤال على أي حال أفترض وجود إله، فمحاولات إنكار وجود صانع …. ”


      أعتقد أنني سأحذف جملة “فقد قلت لنفسي” ﻷنها توحي بأني أتحدث من مما أعتقده. شكراً لك على التوضيح

  • YasserGx

    جزاك الله خير على هذه المقالة الرائعة !
    أين كانت مدونتك عني منذ زمن !!
    من روعتها قرأت معظم مقالاتك في يومين