محمود الذي رأيت

سجلت قبل عدة أعوام في دورة تعليمية لثلاثة أيام عن لينكس، كنت قد سمعت أن مؤسسة صعيدي جييكس ستقوم على تنظيمها، وكانت فرصة جيدة لمعرفة أين أنا من لينكس، فقد بدأت التحول إلى استخدام لينكس عوضاً عن ميكروسوفت ويندوز منذ 2010، لكني لا أذكر أني قابلت أحداً أستطيع تعلم المزيد منه عن الأمر أو مجموعة من الأشخاص في مكان واحد ولديهم فكرة عن لينكس بالأساس، فضلاً عن استخدامهم له. ربما يكون الإستثناء الوحيد هو صديقي الذي عرفني على لينكس، وصديق آخر وحيد لي في نفس بلدتي.

كما أنها كانت فرصة جيدة أيضاً للإختلاط بالفريق القائم على صعيدي جييكس على أرض الواقع، بعد أن كنت أعرف نشاطهم عبر حساباتهم الإجتماعية، وعبر صديقي الذي ذكرت أنه من نفس بلدتي، فقد كان سفيراً عنهم لدى المحافظة التي نسكن بها.

وبقدر ما أود ذكر محاسن ذلك الفريق في استضافتنا، والوقت الثمين الذي قضاه المحاضر الشاب تطوعاً لآخر لحظة في اليوم الثالث قبل عودته إلى القاهرة مرة أخرى، ومجهود تلك المؤسسة في نشر الوعي الرقمي في مجتمع يكاد يكون أميّاً في الثقافة الإلكترونية، إلا أني سأتجاوز كل ذلك إلى ملاحظات لي على محمود، مؤسس صعيدي جييكس. فقد كنا نعلم من هم أعضاء هذه المؤسسة، ونشاطها، وأهدافها، فكل ذلك معلن ويعرضونه في الإنترنت وفي فعالياتهم بشكل واضح، ولم تكن تحتاج كثير فطنة حتى تدرك أن أسرة صغيرة كتلك على مستوى جيد جداً من العلم بما يقدموه.

وكان فيما ذكره محمود أثناء تقديمه لنفسه وللمحاضر وللمؤسسة في بداية الأمر، أنه عمل على لينكس لفترة، لا أذكر أي توزيعة ذكرها بالضبط، لكني أذكر أنه استخدمه، ثم تركنا مع المحاضر وعاد إلى عمله، لكنه ظل يتفقد الأمر كل حين كي يطمئن على تفاعلنا مع المحاضر واستجابتنا لما يقدمه.

وفي إحدى المرات التي دخل فيها، اتخذ مجلساً على الأرض أسفل المحاضر ومكث غير قليل يستمع للشرح معنا، ثم استوقف المحاضر سائلاً إياه عن شئ مما يشرحه، فأجابه، ثم أظنه سأل توضيحاً أكثر عن الأمر فزاده المحاضر مرة أخرى. وأظنه كرر ذلك الأمر على مدار الأيام الثلاثة، لا أذكر لكم مرة على وجه الدقة.

ولأول وهلة بدا الأمر مريباً إلي، فالأسئلة التي يسألها أنا أعرف إجابة أغلبها، فما بالك بمؤسس منظمة تنشر الوعي الرقمي؟ وليس أي مؤسس، بل شخص ذكر أن له خبرة مع النظام الذي يتم شرحه لنا، ويعرف أن عليك البحث في جوجل قبل أن تسأل أحدهم عن شئ ما.

بل حتى لو احتاج أن يسأل أحداً، فكان يستطيع أن يحفظ ماء وجهه ويسأل أحد أصدقائه في المؤسسة، خاصة أن أحد أصدقائه قد ترك علامات على معظم مواقع الإنترنت المشهورة بسبب اكتشافه لثغرات بها (مواقع مثل فيسبوك – كاسبرسكي مضاد الفيروسات الشهير – إلخ) أو يحفظ سؤاله حتى ينتهي اليوم ويخبر المحاضر به على انفراد، إذ أنه صديقه أصلاً كما بدا لنا من تعاملهما معاً. وفي كل ذلك لم يكن عليه أن يجلس على الأرض، ألم يستطع سحب كرسي من خارج الغرفة؟!.

ولأني أستبعد أن يكون غير مدرك لكل تلك العوامل التي ذكرتها في الفقرتين السابقتين، فقد بقي الإحتمال الآخر، وهو أنه يفعل ذلك متعمداً من أجل فائدة باقي طلاب الدورة، فلعله رأى نقطة شرحها المحاضر وكان يجب أن نسأل عن توضيح لها، أو تفصيل لأحد خطواتها، لكننا لم نسأل، فسألها هو لكي يجيب المحاضر ويفصل الأمر.

أو ربما يكون المحاضر مر على جزء وشرحه بصورة قد لا يفهمها الغريب على المجال، فاستوقفه ليسأله كأنه لم يفهمها ليعيد شرحها بتفصيل أكثر. وهذا أسلوب كنت أرى الصورة السيئة منه أيام دراستي قديماً، حين يحضر موجِّه من الإدارة التعليمية ليراقب أداء معلم، ثم يستوقف المعلم أثناء الشرح ليعاتبه مستنكراً أن ترك شرح جزء ما من الدرس، أو يلومه على قلة تفاعل الطلاب معه.

وحفر مشهده ذاك في رأسي، إذ أني لم أكن أتخذ مثل ذلك الأسلوب مع زملائي، بل كنت أبحث في قاعة الدرس عن أقرب مكان أرى منه المحاضر بوضوح، وأركز على تحصيل ما يقول، وأسأله عما يستشكل علي أو ما أريد الإستفهام عنه. أما بشأن زملائي، فلم أكن أدخر جهداً في مساعدة من استطعت منهم، لكن ليس بتلك الصورة التي قدمها محمود، وإنما بعد الدرس أو أثناء لقائنا أو استذكارنا معاً، وحين يسألني أحدهم فقط.

لكني بهذه الرؤية الجديدة صار بإمكاني تقديم فائدة جديدة، وقد استخدمتها أثناء منحة في نهاية 2014، إذ كانت أغلب موضوعات المنحة لي بها خبرة سابقة ، فكنت أستطيع رؤية المحاضر أحياناً وهو يقفز قفزات واسعة في المنهج لضيق الوقت، فأتعمد إلقاء أسئلة تعيده لشرح أجزاء مما تركه ولو بصورة سريعة، لكي تقلل عدد الحلقات المفقودة على باقي زملائي.

وأعترف أني لم أتوقع رد فعل بعضهم في البداية، إذ أنهم ظنوه تباهياً بما أعرفه، وكأن صيغة السؤال تصل إليهم هكذا: “لم لا تخبرهم عن موضوع س الذي نعرفه أنا وأنت جيداً وهم لا يعرفون أي شئ عنه”، لكن لم تدم دهشتي طويلاً إذ أني أعرف كيف يستقبل الناس تصرفاتي كـ INTJ لم يتجاوز خطوتين في عقده الثالث “العشرينات”، فكنت معتاداً على سماع أوصاف مثل الغرور والتكبر والتعالي، إلخ، ثم تتغير نظرة الناس لي حين يتعرفون علي. وزاد الأمر أن أغلب طلاب المنحة كانوا فتيات، فلم أكن أتجاوز حدود الضرورة في اختلاطي بهم، مما رفع احتمالات وصفي بتلك الأوصاف.

لكن بمرور الوقت واختلاطي بزملائي عرفوا أن هناك قطعاً ناقصة من أحجية كل محاضر، يتعمد تجاوزها رغما عنه لضيق الوقت، وأخبرتهم أني أعيده إليها بتلك الطريقة (حسب ما أذكر، إن لم يكونوا أدركوا ذلك بأنفسهم)، وأظنني استشهدت بما رأيت من محمود في منحة لينكس أثناء اجتماع لنا لما أبدى زميل لنا رفضه لمهمة ستجمع عملنا في كيان واحد. (تخيل INTJ يفضل العمل وحيداً يحث غيره على العمل الجماعي!).

والذي ذكرني الآن بالأمر أني رأيت له منشوراً في حسوب I/O يطلب فيه شرحاً بسيطاً عن API لغير المبرمجين، وكما حدث في موقف دورة لينكس، فقد تتبع بعض الردود التي فصلت الأمر، ووضع لهم أسئلة تطلب توضيح جوانب لم يتم ذكرها في الإجابة.


وسواء كان يفعل ذلك للهدف الذي ظننته، أو كان لا يعرف إجابة تلك الأسئلة حقاً، أو كان يحب مشاركة أمر يحبه ويظنه مفيداً لمن حوله، فإن هذه ملاحظتي بأي حال لسلوك أعجبني فيه، وأراه نموذجاً جيداً لبيان ما يستشكل من مسائل على الناس بصورة تحفظ ماء وجه المعلم والمتعلم على السواء. ولعلها تذكرك بقصة تعليم الحسنُ والحسينُ الوضوءَ لشيخ كبير لم يحسنه، وإن كان الألباني رحمه الله أخبر أن تلك القصة لم يوقف لها على سند.


وأظن أن تلك الصورة التي اخترتها لهذه المقالة هي أبلغ الصور في وصفه هو ورفاقه، إذ أنه يبدو غريباً بهيئته وملابسه عن باقي عناصر الصورة ومحيطها، وهو قريب من حال الأفكار التي تود مؤسسته نشرها، فهي غريبة مستحدثة عن البيئة التي تنشر فيها، وكأنك تحذر قبيلة من عدو خفي ماثل أمامها، لكنها تشخص إليه فلا تبصره.