ولا تسرفوا!، نظام غذائي محتمل

لم أكن أتخيل في أكثر أحلامي تطرفاً أن أغير شيئاً ذا بال من نظامي الغذائي!، اللهم إلا بزيادة كمية الخضر والفاكهة، وتقليل القهوة!. غير أني وقعت على مادة قبل بضعة أسابيع أثناء بحث لي قلبت ذلك الحلم رأساً على عقب!.

إذ كنت أتصفح يوتيوب بحثاً عن فيديو لقناة فتافيت من أجل أمي، فوجدت مقطعاً لباسم يوسف يذكر فيه أنه اتبع نظاماً غذائياً شبه نباتي!. بدا الأمر مثيراً للإهتمام كلما تحدث باسم يوسف الطبيب عن الخطوط العريضة لتلك النظام، وكيف أنه لا يحرِّم شيئاً أحله الله، لما قد يتصوره البعض من أنه يحرم اللحوم قاطبة، وأن عاداتنا الغذائية مبنية على معتقدات تراثية واقتصادية أغلبها خاطئ!، وأنه استفاد كثيراً من ذلك التحول في حياته … إلخ.

 

ولما حدثت صديقي الطبيب في الأمر أبدى اهتماماً بالغاً، وبحث في الإنترنت من فوره عن الموضوع ليجد مقالاً من ثلاثة أجزاء يفصل فيها باسم يوسف مرحلة تحوله من النظام الغذائي إلى ذلك النظام الجديد، ونصيحته في النهاية لمن يرغب في الإطلاع على المزيد أن يراجع بضعة وثائقيات سماها، إضافة إلى متابعة موقع يجمع من يتبعون ذلك النظام في مصر. وأخبرني صديقي حينها أنه كان يفعل كثيراً مما في ذلك النظام دون معرفة أن ذلك قد يكون جزءاً من نظام غذائي للبعض، خاصة في التقليل من الزيوت والدهون بشكل عام.

ولما عدنا إلى البيت، قررت أن أبحث في الأمر أكثر، فشاهدت ذلك الوثائقي الذي ذكره باسم يوسف، Forks Over Knives، وهو أهم وثائقي في نظري من الذين رأيتهم يتحدثون عن الموضوع إلى الآن، إضافة إلى قراءة المزيد عن ذلك النظام في الإنترنت، كذا فعل صديقي أيضاً، …. وحينئذ، كانت المفاجأة بالنسبة لي!.

 

إذ كان الشئ المميز في ذلك الوثائقي أن المذيع أجرى على نفسه وعلى أشخاص آخرين تجربة في التحول إلى ذلك النظام أثناء تصوير الفيلم، إضافة إلى أن هناك بطلين آخرين في الفيلم، وهما عالِميْن حاربا لعقود من أجل إخبار العالم بهذا النظام وفوائده عبر الكثير من التجارب المخبرية والدراسات التي أجروها على عينات من البشر، كانت إحداها أكبر دراسة أجريت في التاريخ الطبي، إذ أنها تمت على قرابة 880 مليون إنسان!، بمشاركة أكثر من 650 ألف باحث.

وكان هذا أقوى حجة شاهدتها في وثائقي من قبل، فأنت ترى بنفسك كيف تتحسن صحة المذيع وبقية الذين تجري عليهم التجارب في مراحل الفيلم المختلفة، فترى مريضاً بالسكر يتخلص من أدويته على مراحل، ويزيد من نشاطه الرياضي كذلك، لمجرد اتباع هذا النظام!. وهذا في فترة تصوير الفيلم التي قد لا تتعدى سنة مثلاً!.

أو شخصاً أجريت له خمس عمليات في قلبه لعلاج تصلب الشرايين، خمس عمليات!، وامرأة قيل لها أن عليها الإنتظار في بيتها لأنها ستموت، فأفضل لها أن تموت بين أهلها!، كل أولئك بقوا إلى أن حكوا تلك القصص بأنفسهم بعد عقد أو اثنين من تلك المواقف!!، فقط لمجرد اتباعهم لنظام غذاء مختلف، وأبسط.

 

على أي حال، فقد كان يدور في رأسي شئ آخر أثناء مشاهدتي للفيلم، عجبت من غفلتي عنه من قبل! … .

فقد كان رأسي يرن بآية ” .. وكلوا واشربوا ولا تسرفوا .. “، تلك الكلمة بالذات “ولا تسرفوا”، وكلما تقدم الفيلم قليلاً وهو يذكر الضرر الذي يحدثه الإسراف في اللحوم والمنتجات الحيوانية كاللبن والبيض وغيرها، كلما تقدم الفيلم في ذلك كلما أثار في رأسي كل آيات الغذاء التي مرت علي من قبل في القرءان.

فقد حاولت أن أجمع آيات تذكر اللحوم والمنتجات الحيوانية بنفس القدر الذي وجدته لآيات تذكر الطعام النباتي والثمر فلم أستطع!، فلم أجد آية مثلاً تقسم باللحم واللبن!، مقارنة بآيات أقسم الله فيها مباشرة بثمر مثل التين، والزيتون.

وقبل أن يقفز في رأسك حديث اللبن، فإني أذكرك أن المشكلة ليست في اللبن بذاته، وإنما في هذه الكلمة “.. ولا تسرفوا”. فإن روايات حديث اللبن تذكر أنه يجزئ عن الطعام والشراب!، هذا يعني أن تنظر إليه على أنه طعام يعد لوجبة كاملة في ذاته!، لا أكثر ولا أقل. أضف إلى هذا أن النبي كان يحب لحم الكتف، وكان يذبح الأضاحي بيده، ويشرب اللبن، لكن مرة أخرى … ” .. ولا تسرفوا!”. فإن نفس ذلك النبي أيضاً كان يمر عليه الشهر تلو الشهر دون أن يوقد في بيته نار!، ولم يذكر عن مثلاً أنه قال حبب إلي من دنياكم لحم الكتف!، على عكس بعض الناس اليوم من الذين يعيشون ليأكلوا، وليس العكس.

 

أما نظرتنا نحن للبن فمختلفة!، ماذا نفعل أنا وأنت باللبن؟ تضيف إليه السكر المعالج، ملعقتين إلى خمسة ملاعق في الغالب. وتجمعه إلى الشاي والخبز والجبن والقهوة ومخبوزات وبيض أحياناً وأشياء أخرى تختلف باختلاف البلد الذي أنت فيه، لكنك لا تنظر إليه أبداً على أنه طعام بحد ذاته.

في بعض الثقافات يشرب اللبن مخفوقاً مع بيض نيئ، خاصة لأولئك الذين يمارسون بعض ألعاب القوى، كان يفعلها أحد أخوالي في شبابه أيام كان يلعب تلك الألعاب

أو تغير من طبيعته فتنزع منه الدهون التي فيه، ليصبح فقيراً من الدهون لكن غنياً بالبروتين، لكن هذا يرفع من احتمال إصابتك بسرطان البروستاتا، كما ترفع السجائر من فرصة إصابتك بسرطان الرئة!!، على حد قول دكتور كامبل، أحد العالمين الذيْن تحدثت عنهما قبل قليل. ولا أريد أن أفصل كثيراً مما جاء في ذلك الفيلم أو غيره، إنما أردت بيان ذلك لعلمي أن حديث اللبن سيقفز لرأسك كما قفز في رأسي.

 

على أي حال، دعنا نعود لآيات الغذاء في القرءان، فإن الأمر أثارني كي أبحث في القرءان بالقدر الذي سمح به وقتي، ولم أعثر في ذلك البحث إلا على مزيد من الآيات التي تذكر الطعام النباتي على إطلاقه، أي دون تقييد بلون معين، في حين تذكر المنتجات الحيوانية باسمها مخصوصاً، أو تؤخر استخدام الحيوانات كطعام إلى آخر الآية بعد ذكر منافع أخرى للحيوان.

إضافة إلى نسبة ذكر الطعام النباتي كما قلت إلى نظيره الحيواني، وهذه فارقة واضحة، إذ أن كل آيات الغذاء في القرءان تتحدث عن ثمرات ونخيل وأعناب وتين وزيتون وغير ذلك، إضافة إلى أن الجنة في ذاتها … جنة!، أشجار!، بل أشجار تكاثرت حتى أصبحت جنان، أي صارت تغطي ما تحتها وتلفه، كما في آية “فلما جن عليه الليل رءا كوكباً .. “.

وحتى في المرات التي وجدت فيها آيات الطعام الحيواني، وجدته مسبوقاً بطعام آخر نباتي!!، فمثلاً في سورة الواقعة:

وَفَاكِهَةٍ مِّمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِّمَّا يَشْتَهُونَ

أو في مثال سورة الأنعام:

وَهُوَ الَّذِي أَنشَأَ جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ ۚ كُلُوا مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ ۖ وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ

ثم قال الله في الآية التي تليها مباشرة:

وَمِنَ الْأَنْعَامِ حَمُولَةً وَفَرْشًا ۚ كُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ ۚ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ

ثم بعد ذلك ببضع آيات جاءت آية “ قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ … “، فالشاهد أني وقعت على آيات كثيرة تتحدث عن الثمرات والطعام النباتي أكثر مما وجدت عن الطعام الحيواني.

لكن على أي حال، فإن هذا لا يعني أن القرءان يقول للناس لا تأكلوا من الحيوانات!، بل ينهاهم عن السرف والتبذير، ومن صور الإسراف في الطعام أن تكثر من صنف فوق حاجتك، وهو ما نفعله نحن من استخراج السكر والدهون والزيوت من الأطعمة، ثم نعيد استخدامها بصور أخرى أو بصورها، لكن بشكل أكثر كثافة في الطعام، فلو كنت تحتاج ملعقتي سكر في اليوم مثلاً، فإنك تتناول أضعافها في عادتك اليومية في الطعام، وكذلك الأمر بالنسبة للدهون.
فمثلاً، تحصل من علبة مشروبات غازية واحدة على ثلاثين إلى ستين جراماً من السكر أحياناً!، وتحصل على كميات أخرى من السكر في الشاي والقهوة وغير ذلك مما تشربه على مدار اليوم، والمعجنات والمخبوزات والحلوى المعقودة بالسكر المذاب، إضافة إلى صور السكر المختلفة في الطعام المصنع الذي يباع في محلات البقالة، … هل تظن أنك تفلت في اليوم بأقل من مئة جرام من السكر؟ لا أعتقد.

 

في الواقع إن كنت تتناول قرابة ثلاثين ملعقة سكر في اليوم الواحد، فهذه ربع باوند، يعني تقريبا نحو 113 جرام. وإن كنت أتوقع أن هناك من يتناول مثل ذلك القدر مباشرة من علبة السكر بيده في بضعة أكواب من الشاي والقهوة كل يوم، إلا أنك ستضيف المشروبات الغازية والحلوى والمخبوزات وما ذكرته قبل قليل!.
وقل مثل ذلك على الدهون التي نضعها في طعامنا، فنحن نستخلص الزيت والسمن لنغرق لحومنا وطعامنا فيه من أجل القلي، فإضافة إلى كل تلك الدهون التي تدخل أجسامنا كل يوم، فإننا نقضي على البروتين الذي نريده من اللحوم بقليها في الزيت أو السمن.
ناهيك عن الثقافة التي قد تدفعك إلى تناول بعض أنواع الدهون لأنها “صحية”، مثل تناول السمن الذي يصنع محلياً في أرياف مصر، فقد كان يُشرب صافياً مثل الماء قبل جيلين من الآن!، تخيل كل تلك الدهون تدخل جسدك في دقيقة واحدة!!.

 

وهذه بعض الآيات الأخرى التي كنت قد وجدتها أثناء نظري في القرءان عن الأمر:

لاحظ كيف ذكر الله وصف الطعام وتنكيره للعموم، ثم ذكر بعدها نباتات!.

“فَلْيَنظُرِ الإِنسَانُ إِلَى طَعَامِهِ، أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاء صَبًّا، ثُمَّ شَقَقْنَا الأَرْضَ شَقًّا، فَأَنبَتْنَا فِيهَا حَبًّا، وَعِنَبًا وَقَضْبًا، وَزَيْتُونًا وَنَخْلا، وَحَدَائِقَ غُلْبًا، وَفَاكِهَةً وَأَبًّا،
مَّتَاعًا لَّكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ”  __ عبس، 24-32

 

لاحظ طعام الجنة في هذه الآية، أنهار من لبن وأنهار من عسل، والإثنان من أصل حيواني، وذكرا باسميهما (تعديل: ذكرا باسميهما إضافة إلى صفة زائدة تفضلها وترفع من قيمتها، أن يكون اللبن طازجاً لم يتغير، وأن يكون العسل مصفى)، على عكس ذوات الأصل النباتي في نفس الآية، حيث ذكرت على إطلاقها! “ولهم فيها من كل الثمرات”

” مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ” __ محمد، 15

 

وهكذا، أترك لك المجال لتتصفح القرءان وأنت تتابع هذه الوثائقيات، وإن وجدت شيئاً لم أذكره هنا، فسأكون سعيداً إن كتبته لي، أو رأيتني جانبت الصواب في أمر، فسأسر أيضاً إن أخبرتني!.
بالنهاية، شاهدت عدة وثائقيات عن الأمر، إضافة إلى الكثير من القراءة عنه قبل أن أقرر هل سأتبع مثل ذلك النظام أو لا، سبقني صديقي في ذلك فاتبعه منذ شهر تقريباً، أما أنا فاتبعته بشكل جزئي، لأني لم أستطع تغيير أسلوب استخدام عائلتي للدهون، إلى الآن على الأقل. لعلي أذكر الفوائد التي رأيتها من ذلك النظام حتى الآن في مقال جديد.

 


هذه روابط أخرى إن أردت المزيد عن الأمر:

الموقع الذي يجمع من يتبع ذلك النظام في مصر أو من يفكر في ذلك، ستجد فيه الوثائقيات التي تحدثت عنها هنا، وهم يوفرون روابط ترجمة لبعضها تقريباً، إضافة إلى حلقتين للشقيري عن النظم الغذائية أيضاً.

ويكي العربية: الأطعمة الكاملة (أي غير المعالجة أو المعلبة، إلخ)

ويكي الإنجليزية: حمية ذات أساس نباتي، ليس لديهم صفحة بالعربية.


شئ آخر، كنت أود نشر هذه المقالة في منصة لها قاعدة قراء مثل أراجيك، لكني أعلم أن المقال بصورته الحالية مخالف لسياستها، فآثرت نشره هنا.

 

الإطلاع على نقاش حول المقال في حسوب I/O

 

 

  • YasserGx

    رائع