ملخص لثمانية أشهر من حياتي!

ها أنا أكتب الآن من جديد، بعد نحو ستة أشهر من آخر مرة كتبت فيها شيئًا هنا، وفي صدري بعض الأمور التي أود الحديث عنها ولم أجد في نفسي طاقة للكتابة طيلة الأشهر الماضية، ربما للتقلبات التي مررت بها والتي شغلت وقتي واستنفذت طاقتي.

وها قد أتت الفرصة التي ألخص لنفسي ما حدث في تلك الفترة، إذ أني أظن أنها قد تكون مفيدة لشريحة جديدة من القراء، أولئك الذين يواجهون مشاكل في العمل أو يبحثون عن عمل، خاصة لمن يعيشون في ظروف مصر بالدرجة الأولى، ولعامة القراء ثانيًا.

ربما من المناسب أن أبدأ تلك العودة بتفصيل رحلتي في الأعمال التي عملت بها في تلك الفترة، فقد تركت العمل من البيت في شهر يوليو من العام الماضي (قرابة عشرة أشهر حتى الآن) بناءً على نصيحة الطبيب، بحثًا عن عمل به حركة أكثر من عملي السابق على الحاسوب، فقد تسبب نمط العمل المتواصل على الحاسوب في العامين الماضيين وما يتبعه من قلة شرب الماء وقلة الحركة في إصابتي بالتهاب البواسير من الدرجة الأولى، وهي أولى درجات الإصابة بهذا الالتهاب –هل تلك التسمية صحيحة طبيًا؟-.

وقد كان ذلك يعني أي عمل ليس به كرسي وطاولة، فذهبت إلى منطقة الأدبية الصناعية قُبَيْل محافظة السويس أولى المحافظات على قناة السويس الشهيرة، وظللت أبحث عن عمل لقرابة شهر حتى وجدت وظيفة أجرها مناسب نوعًا ما مقارنة بما حولها في شركة هندية لإنتاج البلاستيك عن طريق الحَقْن –نعم، يديرها هنود، وبدوام عادي أي نحو ثمان ساعات، كي أعود وأتمّ عملي على الحاسوب في الليل.

وأخبرني المشرف في أول يوم أني سأعمل على خط الإنتاج مباشرة بسبب تغيب أحد العاملين هناك، ثم أعود إلى عمل حديثي العهد بالشركة في اليوم التالي، لكن العمل لم يتطلب ذكاءً خارقًا لفهمه، فوجدت يدي تتعود عليه في مدة ساعة أو أقل تقريبًا بعد بعض الأخطاء في أول الأمر بسبب عدم فهمي لآلية عمل الماكينة لأول وهلة، إذ أنها لا تتوقف أبدًا، وعليك أن تجعل نفسك ذراعًا من أذرعها، هذا يعني أنك أيضًا لن تتوقف.

وربما كان ذلك حركة أكثر من اللازم بالنسبة إلي، فقد عدت آخر اليوم وساعدي يكاد ينقطع من الألم، وبالكاد استطعت النوم بعد هذه الطفرة العنيفة من التحميل الشاق على ساعدي الأيمن لثمان ساعات متواصلة –حرفيًابعد راحة طويلة، ولم أجد في نفسي قبولًا للمواعيد التي يضعونها للعاملين هناك، إذ كانوا يضعون مجموعتي في الوردية الأولى، ثم يغيرونها في الأسبوع التالي، ثم يغيرونها في الأسبوع الذي يليه، وهكذا .. . ولم أستطع التوفيق بين ذلك التقلب العنيف وبين عملي على الإنترنت، فاستقلت من تلك الشركة.

الطريف في الأمر أن العاملين هناك كانوا ينظرون إلي بشكل مريب كلما مروا علي في أول يوم كنت فيه هناك، ولم أجد تفسيرًا لتلك النظرات حتى أتى من يعمل معي على نفس الماكينة بعد بضع ساعات، فأخبرني أنهم ﻻ يسمحون ﻷحد بالعمل على خط الإنتاج إﻻ بعد عدة أشهر من العمل في المصنع كي ﻻ يتسبب في خسائر بسبب سوء استخدامه للمعدات، فهم يتعجبون أني وُضِعتُ على الماكينة من أول يوم واستطعت العمل عليها مباشرة.

ربما تبدو هذه النقطة بالنسبة إلي حماقة من الشركة أن تنتظر كل ذلك الوقت لكل عامل إذ أن العمل على تلك الماكينات لا يتطلب كثير ذكاء، لكن الحق يقال أنه يحتاج إلى سرعة في استيعاب طريقة الإنتاج ومن ثمّ سرعة في حركة يديك، ﻷن الماكينة تخرج قطعة كل دقيقة أو نحوها، ويجب أن تفرغ من القطعة التي بيدك قبل أن تخرج الماكينة القطعة التالية.

ثم إن أحد أقاربي سمع أني أبحث عن عمل فيه حركة وخروج بين الناس، فعرض علي العمل معه في مجال صيانة الهواتف، فذهبت لأجرب الأمر، وقابلت المدير وأخبرته بطبيعة عملي الآخر، وأني لن أستطيع أن أخصص له أكثر من ست ساعات في اليوم، فوافقوا على ذلك بكرم أحفظه لهم.

وقد أعجبني العمل في ذلك المجال لما رأيت من ربحه ومن متعة العمل على قطعة شبه ميْتة وإعادتها إلى الحياة مرة أخرى، وعجبت كيف غاب عني كل تلك المدة أن أفكر في خوضه، وقررت أن أخصص جزءًا من وقتي لتعلمه بشكل جدّي، فراسلت مدرسة لتعلم صيانته، وبحثت عن دورة على الإنترنت فوجدت واحدة بخمسين دولارًا، لكني لم أبدأ في أي منهما بسبب أن ملاحظاتي عن العاملين في الفرع الذي عملت فيه كانت نوعًا ما كافية بشكل مبدأي لأخذ فكرة عامة من ناحية، ولمتابعة التنفيذ العملي من ناحية أخرى، إضافة إلى أن قريبي ذاك أخبرني أن ملاحظة العاملين هناك خاصة أبو زياد، مدير الفرع الذي كنت فيهتغنيني عن أي دراسة للأمر في أي مكان آخر.

وقد بدأت البحث عن شيخ مُتقِنٍ أختم القرءان على يديه، بعد طول هجر مني للقرءان بسبب كسلي، وقد كان إمام المسجد القريب من المنزل، الشيخ أنس جلهوم، مرشحًا مناسبًا لهذا -لعل بعضكم يعرفه من الإنترنت أو يوتيوب، أو من شرائط الكاسيت، إن كنت من ذلك الجيل- إذ أنه جيد الأحكام حسن الصوت، لكني لم أحب أن أكون تحت هالة الأضواء المحيطة بهذا الشيخ أينما ذهب -كما تتوقع من انطوائي يبحث عن الهدوء والسكينة-، فبحثت عن غيره.

ثم ذهبت إلى الشيخ ناجي، إمام مسجد على الناحية اﻷخرى من الشارع، كنت أصلي خلفه في أعوام سابقة، وكنت أجد قراءته وقتها أشبه شيء بقراءة الشيخ عبدالله بصفر، رغم أنه أخبرني ﻻحقًا أنه يحب المنشاوي، وهو أستاذ قرءان في الأزهر، ومتقن للأحكام، وقد قرأ على شيخ كان زميلًا للشيخ أحمد المعصراوي في القراءة على الشيخ عبدالحكيم عبداللطيف رحمه الله، شيخ عموم المقارئ المصرية. فاتفقت معه على أن يعلّمني القرءان، وبدأت في القراءة عليه بمعدل ربعين في كل أسبوع في حلقة كان يعقدها.

وفي بداية الشهر الثاني من عملي هناك يناير من هذه السنةتلقيت عرضًا للعمل في شركة اسمها مجرّة، كنت قد كتبت لها بيانات صحفية عن إطلاقها من قبل، وشرح لي صديقي محمود أحمد أحد مؤسسيهاطبيعة عملهم والمشاريع التي يعملون عليها الآن، وحجم السوق المتوقع للمشروع الذي سأعمل عليه، وبعد بضعة محادثات أرسل إلي نسخة من العقد الذي سنتفق عليه ووقّعنا عليه، وهكذا صرت أعمل الآن في ثلاثة أماكن بدوام جزئي!

لكن لم يمض شهر حتى أدركت أني لن أستطيع العمل في كل ذلك، ففاضلت بينهم ووصلت إلى أن أستقيل من عملي في صيانة الهواتف، على الأقل في هذه الفترة حتى يستقر أمري، وأن أنتقل من السويس إلى مكان أكثر هدوءًا ها قد عاد الحنين إلى السكن وحدي-.

فرجعت إلى منزل والدي فترة حتى بداية شهر أبريل، حين راسلني صديق لي أنه يفكر في إطلاق مشروع لصيانة الهواتف، وأنه يود لو استطعت أن أساعده في الأمر.

ولم أكن أريد العودة إلى ذلك المجال لنفس السبب الذي تركته من أجله، وهو أني ﻻ أملك الوقت له، لكنه أخبرني أني لن أعمل في الصيانة بشكل عادي، وإنما أشبه بمستشار له ولشريكه، وإن استطعت فربما أصلح مشاكل العملاء التي لديهم في أنظمة تشغيل هواتفهم، كإزالة كلمات المرور والحسابات القديمة والبرامج الخبيثة العاملون في السوق يسمّونها فيروسات، خطأ! إنما هي malware في الغالب، إضافة إلى إعادة تثبيت أنظمة التشغيل لديهم إن تطلب الأمر ذلك.

فواعدته على الذهاب إليه في شهر أغسطس من هذا العام، لكني اضطررت إلى تعجيل الأمر بسبب بعض الأمور في مجرة التي تطلبت حضوري إلى مقر الشركة من أجل تسريع إنهاء بعض التصميمات للمشروع الذي نعمل عليه.

وهكذا عدت مرة أخرى دون تخطيط مني إلى مجال الهواتف، إذ بدأت دراسة إصلاح مشاكل برمجيات الهواتف في إحدى المدارس، وإلى الآن أرى الدراسة سهلة إلى حد السخافة، ربما بالنسبة إلي، من يدري!

وها أنا الآن مرة أخرى أعود للعمل في ثلاثة أماكن بدوام جزئي، وقد أفتح بابًا رابعًا على نفسي قريبًا بقنوات يوتيوب التي أخطط لإطلاقها حال شرائي للهاتف الجديد ربما خلال شهر أو شهرين-.

في المقالات القادمة، والتي قد تكون بعد ساعات أو غدًا إن شاء الله، سأذكر الفوائد التي جنيتها من العمل في تلك الأماكن لمن يبحث عن عمل، وقصة لي مع شاب كندي ذهبت به إلى شيخي، وبعض الموضوعات التي سأتحدث عنها في يوتيوب، وعن خطتي لهذا العام وفائدة الأمر بالنسبة لك، هل من الحكمة أن تمشي على خطة للعام أم ﻷكثر من عام أم تمضي في الحياة بارتجال، ولمن يعمل فعلًا في وظيفة واحدة في ظل تلك الظروف التي نعيشها، فابقوا معنا! 😀

  • يمنى

    عَودًا حَميدًا استاذنا الفاضل .. في انتظار البَقية بإذن الله تَعالى .. يسّر الله لكم الأمر وأعانكم (y).