قبل أن تتبع حمية غذائية، انتبه لمن حولك!.

قد تبدو فكرة اتباع حمية غذائية براقة أحياناً إذا صحبتها كلمات مثل خسارة الوزن الزائد والصحة والرشاقة ونضارة البشرة وغير هذا، لكن يبدو أن كثيراً منا لا يفكرون أبعد من ذلك في تلك المواقف، تماماً كما يحدث حين يتقدم أحدهم للزواج بفتاة، فإنهما على السواء، أي الشاب والفتاة لا يكادان ينظران أبعد من شهر العسل!، وتبهر الأحلام الوردية اللامعة أعينهما عن رؤية المشاكل والعُقَد على طول الطريق، وعلى مد الرحلة.

وإن الأمر ليلتبس على ذي اللب الراجح الرشيد، إذ أنه يخاطب غريزة الرغبة لدى بن آدم، فأغلبنا .. بل كلنا يود الحفاظ على شبابه وجماله ونضارة وجهه، وبعضنا يود لو تخلص من بعض وزنه، وهكذا .. . ويبدو أن خطر هذه المواقف جسيم، إذ أنها تدفعك لاتخاذ قرار تحت تأثير رغبة أو شهوة تزين لك منالاً عاجلاً قريباً، وتخفي عنك عاقبة آجلة بعيدة لكنها حتمية الوقوع.

ويبدو أن هذا ما حدث معي تماماً في قراري باتباع حمية غذائية غريبة نوعاً ما على البيئة المحيطة بي، في مصر خاصة وفي الوطن العربي بشكل عام. إذ أني قدرت وجود استهجان للأمر في البداية، لكني لم أبذل جهداً في التخطيط له ولمواجهته أو التعامل معه.

وكان أحد الأمور التي خشيتها هو المناسبات الإجتماعية مثل الأعراس وغيرها، ولو أني لا أذهب عادة إلى الأعراس لما يكون فيها من هرج، غير أن هذه المرة أتتني بغتة، إذ جاءني أحد جيراننا يسألني هل أذهب إلى سماع قرءان من شيخ لدينا، ظننت أن الأمر يسير وأنه حدث صغير لأحدهم هنا أو هناك، إذ أن الأمر بدا لي فجأة وعلى غير سابق ترتيب، فقد حدثني بالأمر في المسجد بعد صلاة المغرب، ولم يجلس حتى ليخبرني بالأمر، فقدرت أن الأمر عاجل ومهم له، وفي نفس الوقت قد لا يطول إلى العشاء مثلاً.

لم أشأ أن أعارضه، وذهبت ﻷجده عرس ﻻبنة أحدهم، وقد أولم للناس، وكان الرجل قد أتى بأبي واًصدقائه أيضاً، ثم أخذنا بعد سماع الشيخ إلى طعامه الذي صنعه، وجلست بين والدي وأحد أصدقائه وشرعت في الأكل رويداً على وجل، لم أقرب شيئاً من اللحم واكتفيت ببعض الأرز والخضر ثم قمت.

استوقفني صديق ﻷبي مازحاً أن أنهي طعامي ﻷني أمارس الرياضة كان يراني أخرج للتريض بعد الفجر، أخبرته أني أتمرن من أجل معادلة تأثير هذا الطعام كنت أعني الدهون التي استخدمت فيه بالطبع“. مر الأمر بسلام، فظننت أني قد أفلت من باقي المناسبات الإجتماعية بهذه البساطة، لكني كنت مخطئاً.

فقد ذهبت مع والدي إلى قنا ﻹنهاء بعض شؤوننا، وبالطبع كان ذلك يعني أني سأجد ذلك الطعام الملئ بالسمن والزيت. اعتذرت بلطف أول ليلة عن تناول اللحم وسكت عمي عن الأمرثم تكرر اﻷمر في اليوم التالي مع صنف آخر، وﻻحظت جدتي أني ﻻ أقرب إﻻ لوناً أو اثنين من الطعام في كل مرة، فظنت أني استحييت أن آكل مثلاً، وحينها صعد الموقف إلى مستوى جديد.

فقد ألحت جدتي علي وكذلك عمي أن آكل وأنا أتعلل أني ﻻ أحتمل هذا الطعام للدهون التي به، وذكرت لهم واقعة الأيام الثلاثة إثر وفاة عمي قبل أسبوعين أو ثلاثة، إذ أصبت باﻹسهال جراء الكمية الرهيبة للسمن والزيت التي قدمت لنا في الطعام، الشئ الذي ذكره لي أيضاً ابن عم لي أيضاً.

لكن ذلك لم يكن ليثنيهم عن الإلحاح علي باﻷكل، فهم عائلتي على أي حال، ويسوءهم أن يكون أكلي قليلاً، فقد كانت جدتي تمازحني بأن عنقي صار أطول من قلة الأكل، تعني أني قد نحفت عن السابق، سأذكر سبب ذلك بعد قليل.

هنا لم يكن لدي سوى سهمي الأخير في جعبتي، فلم أتهيأ للأمر وأحضر لَأمَتي معي!، وبالطبع لم يصدق ﻻ عمي وﻻ جدتي شيئاً من كلامي عن الدهون والنظم الغذائية وأثرها في الجسد وغير ذلك.

وكان أطرف ما حدث لي في هذه الزيارة أني ذهبت أعزي صهراً لأحد أصدقائي في أخ له قد مات، وأصر أن يتحفني بشئ من متجره، وكان ذلك في أول ليلة قبل أن أخبر أحداً بشأن حميتي الغذائية. فما إن بدأت باﻹضطراب في يده وأنا أدافعه كي أرد عليه علبة الزبادو منتج يشبه الزبادي الخفيف المخلوط بنكهة فاكهة، ما إن بدأت في ذلك حتى مال علي بثبات قائلاً يبدو أنهم لم يخبروك عني!، لو لم تشربها الآن سأسكبها بيدي على صدرك!”.

احتبس الضحك في وجهي لكرم الرجل وشربتها وأنا أقلب بصري في مكوناتها من الخلف ثم أرجع إلي بصري خاسئاً وهو حسير على ما أدخلته للتو في معدتي .. . “هذا المنتج حسب موقعه الرسمي به دهون قليلة وبروتين عال، هذا يعني زيادة في احتمال الإصابة بسرطان البروستاتا“.

تعلمت من هذه الرحلة ان المعتقدات الراسخة لدى الناس ﻻ تتغير إﻻ بشق الأنفس، وإن تغيرت فإنها تحتاج إلى طول نفس وجَلَد ووسائل إعلامية حتى يثبتوا على هذا التغيير.كان يجب أن أتوقع ذلك من قبل، إذ كنت قد قرأت قديماً ﻷحد المجاهدين في أفغانستان أن الأفغان لديهم آراء مذهبية يعدونها من المقدسات، فقد رأي أفغانيٌ أحد المجاهدين يحرق مصحفاً تمزق جراء قصف تقريباً فكاد يفتك به، ذلك أن الأفغان ﻻ يحرقون مصحفاً أبداً مهما بلغت حالته سوءاً.

لكني ظننت أن أمراً هيناً كالطعام قابل للتفاوض، وقد يكون ذلك صحيحاً إن كان مع أصدقائك مثلاً، فسيحترمون رغبتك، إن لم يكن من باب حبهم لك سيكون من باب ظنهم أن لديك عذراً طبياً ﻻ تود إخبارهم به، أما عائلتك أو المناسبات الإجتماعية فإنها كبيرة أن ترفض طعام أحدهم، فكأنك تخبره ضمناً أنه ﻻ يروقك وﻻ تحبه لشخصه، أو أن في نفسك شئ منه، وما لم يكن معك إذن طبي فلن ينظر إلى ما تقول في شأن طعامك، خاصة إن تغيرت نحوهم في يوم وليلة ولم تمهد للأمرأضف إلى ذلك أنك تخبرهم بلسان حالك أنهم جميعاً عاشوا حياتهم على خطأ، وأنك النبي الجديد الذي ستغير العالم وتضع عنهم إصرهم والأغلال التي كانت عليهم!.

 وما خرجت به إلى الآن أن أعامل هذا الأمر كما أتعامل مع طعام والدتي، فأنا إلى الآن ﻻ أدعي تطبيق هذه الحمية الجديدة بالكامل، وﻻ حتى بصورتها التي أرضاها والتي تختلف عن الصورة التي وجدتها في الأفلام الوثائقية أو الموقع الذي يجمع من يتبعوه في مصر. إذ ﻻ زلت آكل قليلاً قليلاً من طعام والدتي الذي تطهوه باستخدام الزيوت والسمن، وإن كانت تضع أقل من النسب المعتادة لدى الناس، ولو أني أقلل حصتي منه كأني صائم، لعل هذا ما قلل وزني قليلاً عن السابق وﻻحظته جدتي وأمي، لكنه بسبب امتناعي عن أكل طعامهم، وليس بسبب حميتي الغذائيةفحينها، وباتباع ذلك الحد الأدني، فإن ذهبت في مناسبة أو نحو ذلك واضطررت إلى تناول طعام مما نصنعه الآن فسيكون الضرر خفيفاً مقارنة بمن يسير على هذا النمط بشكل دائم.

وكما أني ﻻ أرى فائدة من شرح اﻷمر في كل مرة ﻷحدهم لعدة أوجه، فأنا لست طبيباً وﻻ مختصاً بالتغذية، وليس من الحكمة أن يغدو المرء ويروح بين الناس وهو يقول انه يقلل من البروتين الحيواني من اللحوم ﻷنه يزيد الشره الجنسي، وهو بعد ما زال عزباً!، ولم يعد يمارس رياضة عنيفة مثلاً لكي يغطي هذا الإستهلاك، حتى لو كان بشكل صحي بدون إكثار من الدهون.

وإن كنت أرى اﻵن الحكمة من أمر النبي لمن لم يتزوج من الشباب بالصوم، فإن الصوم على وجهه مع الإعتدال في الطعام وِجاءٌ بالفعل كما قال النبي صلى الله عليه وسلم، لكن حبس النفس عن الطعام سائر النهار ثم إطلاقها كالبهيمة ترعى في الكلأ بعد طول جوع ﻻ يغني شيئاً عن الشاب العزب.

شئ آخر عليك حسابه إن قررت اتباع هذه الحمية أو غيرها، عاملها كأنها حمية لظروف صحية وهي كذلك، إنما أعني أن تطبقها على نفسك فقط، أما من يأتيك ضيفاً فاصنع له من أوسط طعام الناس، حتى ﻻ يظن أن تلمح إلى أنك كرهت زيارته. وأنا أعرف أني لن أستمتع بهذا النظام كما أحب إلا إذا عدت للسكن بمفردي بعيداً عن أهلي، وحتى إن تزوجت فلا ضمان على اتباع زوجتي لهذه الحمية، ولست بمكرهها على ما ﻻ تطيق.

ﻻ أدري هل هناك حل أفضل للتعامل مع هذه الأمور أم لا.

  • يمنى

    فيه حل لطيف جدًا للأمر دة .. إشراكهم ، لا اعني إنهم يعملوا PBD لكن فِكرة إنهم يتفرجوا مثلا مع حضرتك على وثائقي .. او تقرأ لهم مقال بيتكلم عن سلبيات السُكريات والدهون والزيوت والمخاطر اللي بتحصل بسبب دة، وحتى ذِكر أمثلة تأذت جدًا بسبب الآكل اللي مش تمام .. كُل دة لو مش هيخليهم يبقوا معاك فى النظام فهيخليهم يتفهموا جدًا اللي حضرتك بتعمله .. ودة لازم يتعمل بطريقة ذكية لإن فعلا الناس دومًا بتقاوم فِكرة التغيير

    • إن من فقه الدعوة ﻷمر ما أن يعرف الداعي متى يدعو، ومن يدعوه، وكيف يدعوه. ولم أحسن ذلك في واقعتي التي ذكرتها آنفاً، غير أن ما تقوليه حل ناجح جداً لبعض الحالات التي تستوفي تلك الشروط الثلاثة كلها أو بعضها.

      فقد أقنع صديقي أهله بمجرد مشاركتهم هذه الأفلام الوثائقية، لكنه استوفى شرط أهلية الدعوة (متى يدعو)، ومدى تقبل المتلقي (من يدعوه)، والوسيلة المناسبة للإقناع (كيف يدعوه)، فهو طبيب باﻷساس، ووالده طبيب كذلك، فالمناخ مهيأ لدعوة كهذه، ولديه أهلية للحديث عن الأمر دون أن يبذل جهداً في اﻹتيان بأدلة من هنا وهناك، ويكفي أن يقدم إليهم طبيباً يتحدث عن اﻷمر بأدلة يعرفونها حتى يقتنعوا.

  • يمنى

    من باب “شُكر الناس على المعروف” شُكرًا لحضرتك جدًا على مقال النظام الغذائي و الوثائقي وجروب الـ PBD