عزيزتي فيدورا

مقدمة سريعة

أعلم أن هذه المقالة ﻻ تشبه موضوعات المدونة التي اعتدت أن تقرأها هنا، لهذا دعني أضع مقدمة تمهِّد الطريق لك قبل التدوينة نفسها.

فيدورا، من عنوان هذه المقالة، هو اسم إحدى توزيعات نظام لينكس، وهو نظام تشغيل للحواسيب، تمامًا كنظام ويندوز الذي تقدمه ميكروسوفت. وإذا لم تكن تعرف لينكس من قبل أو استخدمته بشكل مباشر، دعني أصف لك اﻷمر سريعًا:

انظر لشركة ميكروسوفت، أليست تقدم نظام تشغيل للحاسوب اسمه ويندوز، وكل فترة تخرج علينا بإصدار من ذلك النظام؟

جميل، لدينا الآن شخص يدعى لينوس تورفالدز، اخترع نواة لنظام تشغيل آخر في 1991، وسمّاها لينكس، ودمجت هذه النواة فيما بعد مع أدوات مشروع اسمه جنو، بدأ في 1983، وكان يهدف إلى إنشاء نظام تشغيل كامل، حر –بمعنى أن أي أحد يستطيع التعديل فيه-.

مع الوقت، تبنى الكثيرُ نظام لينكس في حواسيبهم وشركاتهم –نقولها اختصارًا، بدلًا من جمع اسم المشروعين معًا “جنو+لينكس”-. وسمحت الطبيعة الحرة للينكس أن يقوم من شاء بكتابة أي تعديلات أو إضافة أي مميزات وإدخالها في النظام، الأمر الذي جعل سرعة تطور لينكس مقارنة بنظم التشغيل الأخرى تبدو خرافية، إذ أنه بدلًا من شركة وحيدة مثل ميكروسوفت، فإن لديك مئات الآﻻف من الناس حول العالم يساعدونك بدافع حبهم للنظام!، أو بدافع استفادتهم منه بشكل تجاري.

ثم بدأت شركات أو مؤسسات أو مجموعات من الناس -أو في بعض الأحيان تطلب الأمر مجرد شخص واحد- بإجراء تعديلات على نظام لينكس، وأضافوا إليه مجموعات من البرامج المختلفة التي يحتاجها الناس، ووضعوا ذلك كله تحت اسم “توزيعة”، وهي مجموعة البرامج التي تحتاجها فئة بعينها من الناس، فالطبيب سيحتاج برامج تختلف عن التي يحتاجها المبرمج أو المصمم أو المهندس، أو حتى اﻷطفال في المنزل، … إلخ. وزادت شعبية بعض هذه التوزيعات شيئًا فشيئًا، وكثرت أعدادها جدًا، وبدأ الناس حول العالم باستخدام هذا النظام بشكل واسع.

وهنا، يمكنك مقارنة ميكروسوفت بلينكس، حيث أن كل شركة أو مجموعة من الناس أو حتى شخصًا واحدًا يطور توزيعة ما، يمكن أن نضعه في مستوى واحد مع ميكروسوفت. ثم نقارن كل إصدار من ميكروسوفت بإصدار من هذه التوزيعة، فكما أن ميكروسوفت لديها ويندوز فيستا، 7، 8، … . فإن هذه التوزيعة –وليكن اسمها س مثلًا– لديها إصدارات أيضًا تسميها بأسماء مختلفة.

ولكي ﻻ تظن أن الأمر سيكون متاهة كبيرة بين هذه التوزيعات، فإن هناك بعض الواجهات المشهورة التي تستخدمها هذه التوزيعات، وما عليك إﻻ معرفة استخدام هذه الواجهة أو تلك. إن الأمر يشبه آﻻف أنواع السيارات المختلفة، لكنك ما إن تعرف كيف تقود واحدة فقط، فلن تجد مشكلة في قيادة أي سيارة جديدة، فهناك مبادئ ثابتة دومًا، مثل عجلة القيادة، ومبدِّل السرعات، والمصابيح. وفي حالة نظام تشغيل الحاسوب، فهناك غالبًا أيقونات، ومدير ملفات، وقوائم، … .

وإني أود أن أخبرك أنك تستخدم لينكس، كل يوم تقريبًا، دون أن تدري!. فإن كنت تستخدم هاتفًا يعمل بأندرويد، فلتعلم أن أندرويد ما هو إﻻ إحدى توزيعات لينكس الموجَّهة للهواتف، وإن كنت تستخدم جوجل وفيس بوك، فلتعلم أن هؤﻻء أيضًا يستخدمون لينكس في إدارة بياناتك لديهم وحفظها. وإن كنت تستعمل سيارة حديثة أو تلفازًا أو غسّالة ذكية، أو تركب طائرة أو غير ذلك، فلتعلم أن كل أولئك يستخدمون لينكس في حواسيبهم الداخلية.

بل إن كنت تستخدم ويندوز!، فلتعلم. أن. ميكروسوفت. تستخدم. لينكس. في. صيانة. خوادمها. ? ? ? … . هل ذكرت أن لينكس مجاني تمامًا، ولن ترى هناك كلمة سيريال أو كراك أو مسروق أو مقرصن؟ هل ذكرت ذلك؟

 

على كل حال، أظن أن هذه المقدمة كافية إلى حد ما، دعني الآن أدخل في موضوع هذه المقالة:

فقد مكثت الشهر الفائت أجرب بعض إصدارات لعدة توزيعات مثل elementaryOS، وUbuntu وLinux Mint، بعد أن كنت قد تحولت ﻻستخدام توزيعة fedora منذ بضعة أشهر، من باب الحنين إلى الماضي!، فإن أول توزيعة استخدمتها هي أوبنتو، وقد علقت أدواتها في رأسي رغم أني لم ألبث معها طويلًا وانتقلت مباشرة إلى توزيعة أخرى أمضيت معها أول سنة مع لينكس.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

 

وكما ذكرت باﻷعلى أن هناك العديد من الواجهات التي قد تأتي بها التوزيعة، فقد جعلت أنظر فيهم ﻷرى أيهم تناسب حاسوبي دون أن تستهلك بطاريته كثيرًا، وكنت قد استخدمتهم جميعًا من قبل، لكني أردت أن أرى إن كانت هناك أية تحديثات في الأمر، فلربما أُضيفَ شيء وأنا بعيد عنهم.

وحملّت إصدارًا من إليمنتري أولًا، وهي توزيعة بُنيت على توزيعة أوبنتو، لكنها لم تعجبني، فتوجهت إلى توزيعة مينت، من باب أنها توفر علي بعض الخطوات بعد تثبيتها مثل برامجي التي أحتاجها في مذاكرتي وعملي، فلعلك تذكر أني كتبت في أول المقال أن كل توزيعة تخدم شريحة مستخدمين بعينهم، ولتعلم أن معظم التوزيعات مناسبة لكل الناس، لكن قد يكون الفرق في برنامج هنا أو برنامج هناك توفره هذه التوزيعة أو تلك بشكل افتراضي، يعني ﻻ يحتاجك أن تثبته بنفسك، لكن على أي حال، يمكنك تثبيت ما تشاء بنفسك في أي توزيعة فيما بعد.

وقلت لنفسي لم ﻻ أثبت بعض الواجهات الأخرى على هذه التوزيعة؟ من باب تجربتهم ﻷرى على أي واحدة سأستقر. ودعني أقرّب لك اﻷمر قليلًا، فتثبيت الواجهات المختلفة على توزيعة واحدة يشبه تثبيتك لنسخة ويندوز على حاسوبك، لكن تخيل أن هذه النسخة بها زر تضغط عليه في كل مرة تفتح فيها الحاسوب، لكي تختار هل تريد منظر ويندوز 10 أم 8 أم 7 أم … .

 

لكن توزيعة مينت لم تصمد تحت وطأة كل هذه الواجهات، فبعض الواجهات تأتي بأدواتها الخاصة في مراقبة قوة الشبكة والبلوتووث وتبديل اللغة مثلًا، خاصة في حالة بيئات كاملة مثل أشهر بيئتين منتشرتين في توزيعات لينكس، وهما KDE وGnome -آسف على ذكر الكثير من الكلمات التي قد تكون غريبة عليك، لكن هذا من باب ربط الكلام في رأسك بعناصر، بدلًا من ربطها بهذا، ذلك، تلك، أولئك، في كل مرة أذكر فيها شيئًا-.

ولو كانت هذه الواجهة مثلًا تستخدم meta+space لتغيير اللغة، فإن واجهة أخرى قد تستخدم alt+shift، وستجد اللغة تتبدل من تلقاء نفسها بسبب عمل أداتين مختلفتين بإعدادات مختلفة على نفس الواجهة، ﻷداء نفس الوظيفة، كأنها مركب برُبّانيْن!.

وبعد حالة الجنون التي وجدتها من لينكس مينت، حرفيًا، قررت أن أزيلها وأثبّت والدتها أوبنتو، فلينكس مينت مبنية على توزيعة أوبنتو، وتستخدم أغلب أدواتها، فبالتالي إن قلبت القِدْر على فمها، تطلع التوزيعة ﻷمها ? . وﻷكون صادقًا، لم أتوقع هذه التحسينات في أوبنتو منذ آخر مرة جربتها فيها قبل خمسة أعوام تقريبًا، فقد زادت سرعتها كثيرًا، سواء في سرعة إقلاعها أو سرعة برامجها، حتى في واجهة يونيتي التي أكرهها… ولكن!.

 

أبت تلك الشقيّة أن تجمِّل صنيعها معي، فكل يوم هناك خطأ ما تريدني أن أبلغه إلى المطورين (يظهر لك اﻷمر في رسالة)، حسنًا .. يمكنني احتمال هذا بشكل ما، لكن القشة التي قصمت ظهر البعير كانت شيئًا آخر تمامًا! … . فقد تعطل أحد الأجهزة لدى موزع الانترنت الذي أتصل من خلاله، وصار يبدل عنوان IP الخاص به كل بضعة دقائق، إضافة إلى أن زر التشغيل الخاص بهذا الجهاز أو بجهاز آخر قد تحطم، فصار الجهاز يعيد تشغيل نفسه كل دقيقتين تقريبًا.

وقد سبب لي ذلك إزعاجًا رهيبًا، فلم ألحظ اﻷمر في البداية، وظننته عيبًا في حاسوبي، وكنت إذ ذاك على ويندوز فلم أستغرب اﻷمر، فأنا معتاد على هذه الأمور من ويندوز، فأعدت تثبيت تعريف الشبكة، لكن لم يحدث شيء، وفشل الحاسوب في التقاط الانترنت بالكلية.

فأعدت تشغيل الحاسوب ودخلت من لينكس (توزيعة أوبنتو في هذه الحالة)، فالتقط النظام أن عنوان IP يتغير، لكنه استطاع أن يتصل به رغم ذلك، لكن كان علي أن أعيد الضغط على زر الشبكة كلما ﻻحظت أني فقدت الإرسال. ولك أن تتخيل أن تكون منتظرًا لبريد مهم أو تريد إرسال عمل ما، لكن الوصلة ﻻ تسمح لك بذلك، فينقطع الإرسال في أوله، وتضطر إلى التحقق يدويًا كل نصف دقيقة كي تضمن أن الإرسال لن ينقطع!.

وبدا هذا اﻷمر كصداع مخيف وهوة سحيقة ظننت أنها مهلكتي وقاتلة لوقتي، وكنت إذ ذاك قد ضقت ذرعًا بأوبنتو أيضًا، فعزمت امري أن أعود إلى فيدورا، وشحنت البطارية كي آخذ الحاسوب إلى مقهى إنترنت قريب من المسجد، كي أجمع لها التحديثات والبرامج التي أود تثبيتها لتفعل هي ذلك عني بينما أصلي التراويح، وقد كنت في أول رمضان حينها.

نعم، ستفعل هي ذلك دون تدخل يدوي مني تقريبًا، على عكس ويندوز الذي تثبت كل شيء بنفسك خطوة خطوة، يمكنك مقارنة الأمر بما يحدث في أندرويد حين يطلب منك تثبيت تحديثات.

غير أني ﻻحظت أمرًا عجبًا بعد تثبيت التوزيعة، وهو أن الاتصال بالانترنت لم ينقطع! … ما هذا؟! … .

تأكدت من اﻷمر مرة أخرى، ولم ينقطع الاتصال بالانترنت!، ظننت أن موزع الانترنت قد أصلح أجهزته، فدخلت إلى ويندوز ﻷتفقد اﻷمر، لكني وجدت ويندوز ﻻ يزال ﻻ يدري بشيء مما حوله، فأعدت الغطاء على رأسه ليكمل سباته ورجعت إلى فيدورا، عزيزتي فيدورا!.

وكما في أول تثبيتي للينكس مينت، فقد حددت حزمًا وواجهات وبرامج كثيرة لتثبيتها دفعة واحدة، فكما قلت أني أردت أن أجرّب بعض هذه الواجهات لعل إحداها تكون تحسنت عما مضى، وتركت الحاسوب يقوم بهذا ونمت.

وقد استقر رأيي على واجهة جنوم، بعد أن كنت قد كرهت تغير مظهرها في إصدارها الثالث –في الواقع لقد كره الكثير من الناس مظهرها الجديد إلى حد أنهم كتبوا واجهة أخرى تشبه القديمة لمن أراد أن يعود إليها، إضافة إلى أن جنوم نفسها وفّرت إصدارًا يشبه الشكل القديم–، ورأيت أن هناك الكثير من الأخطاء قد أصلحت، وباتت أكثر سلاسة وأجمل.

وكنت أستخدم بيئة شبيهة ببيئة ويندوز الرسومية، وكانت رائعة الجمال والتخصيص، ويضرب بها الأمثال في مؤثراتها البصرية، لكن ذلك كان يأتي على حساب موارد الجهاز بالطبع، وفي حالة حاسوب ببطارية، فهذا يعني أن البطارية لن تصمد ﻷكثر من ساعتين، في حين أنها قد تستمر بالعمل لمدة ست ساعات في واجهة أخرى بسيطة، “نعم مرة أخرى، ست ساعات، تجربة شخصية”.

بشأن هذه المؤثرات البصرية، فإني سمعت بنفسي بعض الذين عرضت عليهم استخدام لينكس يصفون مؤثرات بيئات أخرى أقل من KDE بأنها أروع من أن تكون حقيقية، وأنها فيديوهات دعائية كاذبة، فلك أن تتخيل مؤثرات KDE.
وهذه بضع صور لحاسوبي هذه اللحظة، بتوزيعة فيدورا، بيئة جنوم.

تتطلب عرض الشرائح هذه للجافا سكريبت.

وأظن أني الآن سأحذف باقي الواجهات الأخرى التي ثبتُّها، وأبقي نفسي مع جنوم، فقد استقر الحاسوب، واستقرت نفسي، ووجدت رفيقتها وسكنها، وعاش البطل، وعاشت البطلة، وعاش الممثلون، وعاش المخرج، وعاشت بطارية الحاسوب، والحمدلله رب العالمين.

?

 

نقاش حول المقال في حسوب I/O

  • Mohammed Almosawi

    استعراض رائع أخي أسامة ☺
    كنت أظن أنني الوحيد الذي يعاني من المشاكل التي ذكرتها عن Ubuntu.
    سأجرب فيدورا في أقرب فرصة يبدو أنها تطورت كثيرا بعد آخر لقاء جمعنا سويا قبل مدة طويلة جدا.
    ما هو رأيك في openSuse هل جربتها من قبل؟

    • مرحبًا أخ محمد! 🙂
      في الواقع فإن أوبنتو بشكل خاص أو كانونيكال بشكل عام لها مشاكل تصل إلى ريتشارد ستولمان نفسه بسبب مشاكل تتعدى التعطل وعدم الاستقرار والتأخر في إصلاح العلل والعثرات إلى التجسس على المستخدمين بدعوى تحسين تجربة المستخدم في البحث، اطلع على هذا الفيديو لستولمان عن انتهاك الخصوصية في أوبنتو:
      https://youtu.be/CP8CNp-vksc

      وهناك مقال آخر قرأته اليوم عن مشاكل أوبنتو التي اشتهرت بها:
      http://linux-2-day.com/2016/05/ubuntu-16-04-second-worse-linux-distrubtion

      بالنسبة ﻷوبن سوزي، ﻻ لم أجربها من قبل، لكن لي صديق يرشحها لي كتوزيعة مستقرة حتى مع تثبيت أكثر من واجهة، لم أكن أتجه إلى أوبن سوزي أو فيدورا بسبب سياستهم في ترقية التوزيعة كل سنة ونصف تقريبًا، كنت أود توزيعة لها دعم طويل المدى، لكني اضطررت أن أخرج من أوبنتو بسبب ما صارت تفعله في التوزيعة، تقريبًا منذ إصدار يونيتي، ولم أجد لنفسي وقتًا أثبت فيه ديبيان بسبب حاجتها للتخصيص الكثير.

  • مصطفى

    تخصيص جميل
    كيف قمت بتغيير لون الشريط العلوى وتغيير شكل جنوم

    • gnome tweak tool > appearance
      ستجد سمات كثيرة على devianart