إن فاتك الميري، .. فذلك لمصلحتك!

كثيرًا ما كنت أسمع كبار السن من حولي يخبرون أبناءهم أن “من فاته الميري، يتمرمغ في ترابه”، كدلالة على مزايا العمل الأميري –الحكومي- التي لن يحصلّها في أي مكان آخر.

وذلك من معاصرتهم لنمط الحياة في مصر الاشتراكية أيام عبد الناصر، ومصر الأميرية أيام الملوك الذين سبقوه، حيث كان راتب العمل الأميري وقتها مجزيًا، وشرفًا كبيرًا في بعض الأحيان، وأمانًا للعامل حيث يضمن له تأمينًا صحيًا ومعاشًا حين يستقيل. فالحكمة وقتها أن يلهث من يتخرج من الجامعة خلف الحكومة كي تجد له وظيفة تستره وتعينه في زواجه، إذ أن أولياء النساء يعطون الأولوية لمن لديه وظيفة حكومية.

لكن ذلك كان وقت ترسِل فيه مصر الكسوة إلى الكعبة، ومركزها المالي من القوة بحيث ينسب اسم المال إلى مصر في البلاد المجاورة لها “مصاري=نقود”، وكانت تُقرض دولًا تعد الآن دولًا عظمى، وكان الذي يقبض بضعة جنيهات كأنه ملك الدنيا!

أما الآن، فإن العملة في انهيار، والإنتاج قد جفت منابعه، والاقتصاد قد شحت موارده –تعلمون أين أذهب بكلامي-، المهم أن من الحماقة أن يفكر المرء أن يعمل في وظيفة بأجر ثابت في زمن تضعف القوة الشرائية للمواطن لتناقص قيمة العملة، فإن كنت تقبض 1200 جنيه فإنها الآن تساوي نحوًا من 500!، ومن يدري إلى أي مستوىً ستنزل بعد ذلك في ظل غياب أي مؤشرات على زيادة الإنتاج.

فالحل الذي أراه لك الآن هو أن تقبض أجرك بالدولار، كأن تعمل من الإنترنت مثلًا في مواقع العمل الحر مثل مستقل وخمسات وUpWork وفريلانسر وغيرها، أو أن تطلب أجرك بالدولار أو ما يعادله على الأقل من رب عملك، أو أن تعمل في عمل يزيد أجرك فيه بزيادة عملك، كالتجارة وأعمال الصيانة وغيرها، …. أو أن تبدأ تجارتك الخاصة.

وقد جربت كل ذلك في الفترة الماضية، خاصة العمل الحر في التصميم أحيانًا وفي الترجمة وصناعة المحتوى أحيانًا أخرى في موقع مستقل لعملاء مثل أكاديمية حسوب وشركة Magic Lens، وشركة كفاءة التميز، وغيرهم، والعمل في صيانة الهواتف كما ذكرت في المقال السابق. كما سمعت من بعض أصدقائي أنهم تفاوضوا مع الشركات التي يعملون بها على معادلة أجرهم بالدولار لمواجهة الزيادة المستمرة فيه.

وواقع ما رأيت أن العمل في تلك الأماكن قد يوفّر لك دخلًا لن تحلم به في الوظائف ذات الأجر الثابت، سواءً في الحكومة أو في غيرها، فإن كنت تقبض 6000 جنيه قبل انهيار قيمة العملة “ثم” تعويمها، فإن راتبك قد نقص أكثر من نصف قيمته، ولعلك لمست ضعف قوتك الشرائية بنفسك في غلاء الأسعار، وهذا الراتب لم يكن يقبضه كثير من المصريين العاملين في الوظائف أصلًا، فما بالك بمن سواهم؟

أما الأعمال التي يمكنك إنجازها من الإنترنت بالدولار فإن لم تزد دخلك فستبقيه ثابتًا، فإن قبضت خمسين دولارًا فإنها خمسين دولار، زاد الجنيه أو نقص. وإن لم تكن قد بدأت في العمل على الإنترنت من الآن لأنك لا تجيد أحد المهارات المطلوبة أو لأنك لم تبدأ وحسب، فسارع من الآن ولا تنتظر أسبوعًا آخر يمر عليك، فكل لحظةٍ حرجةٌ هذه الأيام خاصة.

وأسهل ما يمكنك البدء فيه هو الترجمة إن لم يكن لديك وقت لشيء آخر، أو أعمال إدخال البيانات والسكرتارية –رغم أني لا أعرف ماذا يفعلون، لكنها من الخدمات التي لا يبدو أنها تتطلب الكثير من الوقت للتعلم-، أو إن كنت ترمي خطافك لأبعد من هذا، فتعلم التصميم ثنائي الأبعاد أو ثلاثي الأبعاد، أو اختر منصة تكتب لها برامج وتطبيقات، سواء iOS أو Android أو ويندوز أو لينكس أو ماك أو غيرهم.

هناك الكثير من المصادر التي يمكنك البدء في تعلم ما تحتاجه منها، فقط انطلق وابدأ، وتعلم، ثم اعمل بما تعلمت. لن تمر عليك سنة بإذن الله حتى تدخل ربحًا من ذلك العلم.

تعريف العمل الحر على الإنترنت:

أخبرني صديق لي من قبل أنه سمع أن العمل الحر هو التسويق الشبكي، ولا حول ولا قوة إلا بالله! دعني أضرب لك مثلًا يشرح العمل على الإنترنت لئلا تخلط بينه وبين التسويق الهرمي أو الشبكي:

لنفرض أنك تريد بناء متجر لبيع الهواتف، فستنزل السوق، وتتفق مع شركة مقاولات على بناء المتجر، ثم تتفق مع شركة تبيع الهواتف بالجملة كي تشتري منها كميات كبيرة لبيعها في ذلك المتجر، أليس كذلك؟

طيب، لنفرض أنك الآن تريد فتح نفس المتجر، لكن في صورة موقع إلكتروني، يمكنك خوض نفس الطريق السابقة في نفس السوق، لكن هناك سبيل آخر، ستذهب إلى سوق افتراضية به باعة يعرضون خدماتهم، فبحثت عمن يستطيع بناء متاجر إلكترونية، فوجدت أحدهم على موقع شخصي أو موقع لشركته أو موقع يجمع أمثاله من المبرمجين، فاتفقت معه على بناء المتجر، هذه أول خطوة.

أنت الآن تحتاج إلى الهواتف التي ستبيعها، فستراسل أحد أولئك الباعة مجددًا إن وجدت أحدهم في نفس سوق المبرمجين، لكنك لن تجده على الأرجح بسبب التخصص الشديد لسوق الإنترنت، وستراه في سوق للبيع بالجملة، مثل AliExpress.com مثلًا، وستتفق مع أحدهم على شحن الكمية التي تريدها إليك.

ثم تتفق مع مصور –ربما عبر الإنترنت أيضًا في مواقع المصورين الشخصية أو المجتمعات التي تجمعهم- كي يصوّر لك الهواتف التي اشتريتها لترفع تلك الصور لاحقًا في متجرك الإلكتروني.

إن الخدمات التجارية التي أجريتها لتوك عبر الإنترنت، وذهب المال إلى مقدمي تلك الخدمات، ما هي إلا صورة رقمية للسوق التقليدية العادية، أليس كذلك؟ فبدلًا من أن يكون اللقاء على الأرض، والبحث بين المتاجر سيرًا على الأقدام، فإن الإنترنت قد جلب إليك كل تلك السوق في بيتك أو مكتبك.

وعليه فإن العمل الحر عبر الإنترنت ما هو إلا تحديث للعمل في السوق العادية، وهو حر لأن مقدّم الخدمة ليس موظفًا في شركة، بل يدير متجره الخاص إن صح التعبير.

 

بالعودة لموضوعنا، فإن لم تجد في نفسك ميلًا إلى العمل عبر الإنترنت، فأمامك سوق الأعمال الحرة، والتجارة على وجه الخصوص، خاصة أعمال الصيانة كما ذكرت إذ أنها لا تتطلب سوى عدّتك التي ستجري بها عمليات الإصلاح، وأتوقع أن تنشط تلك الخدمات بسبب ضعف القوة الشرائية، فمن يتعطل هاتفه أو حاسوبه لن يقدم على شراء واحد جديد مع ارتفاع أسعار تلك الأجهزة، وإنما سيصلح الخلل الذي أصاب جهازه.

ولا تحجر نفسك على مجال الإصلاح، فربما تجيد الطهي، وربما تعرف حاجة السوق من حولك لسلعة أو خدمة بعينها، المهم أن تتحرك من الآن، ولو صغيرًا، صغيرًا جدًا، جدًا … صدقني لا يهم طالما تتحرك، إن كان السوق يحتاج ما تقدمه، ودرست ما تقدمه بشكل ممتاز، وتحركت في الاتجاه الصحيح، فإن نموذجك الربحي سيعمل، وستراه يدر عليك ربحًا، وستعرف أنه نموذج ناجح، وتجارة واعدة.

المهم أنك إن وجدت في نفسك طاقة للعمل في إحدى تلك المجالات فلا تتردد، ولا تعوّل على أنك في وظيفة ستقبض منها معاشًا بعد سنين، الله وحده يعلم كم ستكون قيمة معاشك هذا، فابن لنفسك تجارة من الآن تنفق عليك، فإن رونق العمل الحكومي وهالته التي تحيطه ذهبت مع ذهاب أوليائه، منذ زمن بعيد أيضًا، لكن لم يعرف ذلك إلا من جرّب ربح التجارة بنفسه، صحيح أن فيها خسائر، وهي الحسنة الوحيدة -ظاهريًا- للوظيفة الحكومية، لكن المكاسب تستحق خوض التجربة مرة بعد مرة.

ظاهريًا: لأن حال الدولة العام أو حال الشركة التي تعمل بها إن ساء فستجد نفسك إما بلا وظيفة أو براتب لا قيمة له، وهي الحالة التي نحن فيها الآن.

نصيحة: إن قررت البدء في أي عمل ولا تدري ماذا يجب أن تعرف، وكيف تبدأ، ومن أين تتعلم ماذا وكيف تبيع، وكيف تفعل وتفعل .. ، فاطّلع على مقالات أكاديمية حسوب التي نترجمها، فإني أراها تضاهي حركة بيت الحكمة في الدولة الإسلامية قديمًا، ولن يذهب وقتك فيه سدى.

 

 

 

  • آلاء

    عودا أحمدا،،
    أفكار صحيحة وفي محلها كنت قد حاولت في الإحازة السابقة وفشلت في الحصول على مهمة واحدة أنجزها، لدي مهارات كثيرة في البرمجة لكني أخشي عدم القدرة على حل تلك البرامج أو التسبب بمشكلات بها، كل ما فعلته مشاريع صغيرة من وحي خيالي أو طلب مني تنفيذها لنهاية الفصل الدراسي
    لم أتعامل مع مشاريع حقيقة بعد،،
    حاولت في ادخال البيانات ولم يقبل طلب لي،، ليست سهلة كمبتدأ حتي في أتفه الأمور
    فكرت في هذا ثانية من شهرين لنفس الأسباب وعقدت العزم على المحاولة ثانية بمجرد انتهائي من هذه السنه (الأخيرة) واكمال المذاكرة بجانبها،،،

    • النقطة الأولى:
      إن أحد الحلول المعينة على كسر حاجز الخوف في مجالات كثيرة هو المحاكاة -مثل غرف محاكيّات الطيران التي تحاكي الأخطار المحتملة والظروف المختلفة قبل الطيران الحقيقي-، وهنا تعني البحث عن مشاريع ذات تفاصيل وافية، من عملاء حقيقيين، على أحد مواقع العمل الحر، والعمل عليها بشكل شخصي، وتقييد وقت العمل بوقت المشروع الحقيقي وبشروط العميل التي وضعها في المشروع.
      ففي حالتك كمبرمجة، ابحثي عمن يضع مشاكل برمجية لحلها -كنوع من التسلية والتطوير الشخصي، هناك من يفعل ذلك!، ربما جوجل يعينك هنا-.
      أو عملاء على مواقع العمل كما ذكرت لتوي وضعوا مشاريع لبرامج أو تطبيقات، ووضع مبرمجون عروضًا عليها، فاختاري مشروعًا ذا تفاصيل وافية، وابدأي عملية المحاكاة، وافترضي أنك وضعت عرضًا، فقيّدي نفسك بوقته الذي حدده العميل، ثم اعملي عليه، وحاولي تقليص وقت العمل مع ترتيبه وتنظيمه في كل محاولة، وبعد أن يتحسن مستواك، ارجعي إلى صفحات تلك المشاريع، وانظري متوسط قيمة العروض عليها، هل مناسبة لاحتياجاتك ومجزية لوقتك ومهارتك أم لا، وعليه ضعي القيمة التي ترينها مناسبة في العروض التي تضعينها على المشاريع القادمة بشكل حقيقي.
      وإن لم تجدي تفاصيل كافية في تلك المشاريع، فقليل من البحث عن مشاريع للتدرب عليها سيأتيك بنتائج لا بأس بها:
      https://www.google.com.eg/#safe=active&q=coding+projects+for+training

      أفضّل اختيار مبرمج أو صاحب تجارة أو عمل شبيه بالمشروع الذي ستختبري مهارتك به، كي يمثّل صاحب المشروع، ليقيّم عملك ويطالبك به قبل موعد التسليم، إلخ، لكن إن لم يتوفر فلا بأس.

      النقطة الثانية:
      لا تقبل عروض المستقلين عادة من أول محاولة، أو أول شهر، لذا فصُبّي تركيزك -جهدك ووقتك- في تطوير مهاراتك الفنّية -Technical- وأسلوب عملك وتنظيم وقتك، وكلما أنجزت مشروعًا ضعيه في معرض ما، حتى لو لم تكن تلك المشاريع لعملاء حقيقيين، المهم أنك استطعت إنجاز ذلك العمل.
      فإن كان تصميمًا فموقع مثل Behance، وإن كان برمجة فشبكة مثل Github او Bitbucket، وهكذا.

      ويرتبط بتلك النقطة أيضًا إنجاز مشاريع بدون مقابل مادي -ﻻ أحبّذ استخدام كلمة تطوعية هنا، حيث أنك تنفّذينها من أجل وضعها في معرض أعمالك-، واقترحي على أصحاب المشروع أن تساهمي في بنائه -خاصة إن كان برمجيًا، هناك الكثير من المشاريع المفتوحة المصدر والمتاحة لعامة المبرمجين أن يساهموا فيها-، ثم ضعي ذلك في معرض أعمالك أيضًا.
      وأضيفي تلك الأعمال بشكل دوري في سوق العمل الحر الذي ترغبي بالعمل فيه، وربما يأتيك عرض على مشروع قبل أن تضعي أنت عرضًا، من يدري!.

      ملاحظة: إن اخترت العمل في موقع مستقل، وكونت قاعدة عمل جيدة (بعض المشاريع في معرض الأعمال، قواعد محددة للعمل وتنظيمه وعرضه وإرساله، … ) فابحثي عن المشاريع التي يكون صاحب المشروع فيها هو “مستقل VIP”، حيث أن هؤﻻء فريق من حسوب، ويختارون المستقل وفقًا لمعرض أعماله وجودة تلك الأعمال بغض النظر عن تقييمه وما إن كان قد نفّذ مشاريع سابقة على حسوب أم ﻻ.

  • آلاء

    جيد، شكرا لك.
    لكن إن لم تكن كاملة بجميع تفاصليها وإحتمالتها كي تعمل (مشاريعي السابقة) هل أضعها، أم أطورها أولا؟

    • تطورينها قطعًا إلى حالة تثقي أن من يطلع عليها سيطمئن إلى أنك أفضل من يوظفه للمهمة أو المشروع الذي لديه.
      أيضًا، احرصي أن تضعي صورًا مرئية/فيديو للبرنامج الذي صممته كي يفهمه من لا خبرة له بالبرمجة، فليس كل من سيوظفك لكتابة برنامج يعرف البرمجة بالضرورة، وإلا لما كان لجأ إليك!