وتركنا مركز التدريب!

أول إجازة في العسكرية!

[Untitled]

 

أول مرة ينتابني ذلك الشعور بالحرية، حين أكون في مكان ما لفترة كبيرة مقطوعًا عن أي شكل من أشكال الحياة الخارجية، ليس لأنها بعيدة عني، بل لأني ممنوع منها، وهي محظورة علي، رغم أن بيني وبينها سور أستطيع تجاوزه بسهولة، فلا يتعدى ارتفاعه بضعة أمتار!.

ذلك أننا مُنحنا أول إجازة في خدمتنا العسكرية، وأخرجنا من معسكر التدريب إلى الشارع، إلى المدينة، وكأن الجنود خرجوا من قبورهم أو أتوا من آلة زمنية، فقد كنا ننظر بانبهار شديد من زجاج الحافلة العسكرية إلى الشوارع والناس والسيارات وكأننا نراها لأول مرة، ونكاد نستشعر كل تلك النعم التي يعيش فيها الناس، فلم يكن لدينا في المعسكر رفاهية النقل في العربات، فكنا نسير إلى أماكن التجمعات وميدان الرماية وغير ذلك على أقدامنا، ولم تكن مسافتها بعيدة أو مرهقة، لكن الأمر أنك لا ترى حولك شيء يسير على إطارات سوى المركبات العسكرية.

إن الأمر يماثل أن تكون مبتلىً أو ممتحن ببلاء عصيب يحرمك لذة بعض النعم، ثم يرحمك الله ويكشف ما بك من ضر، فتعود إلى تلك النعم بسعادة غامرة، وتكاد تشعر بقيمتها وطعمها وحلاوتها في فمك وأذنيك وعينيك وجوارحك، وفرحة في قلبك، ذلك أنك كنت محرومًا منها، فنسيَتْها جوارحُك، لهذا أحسستَ بالفرق حين تذوقت تلك النعم مرة أخرى، ربما لكي تعرف قيمتها وأثرها فتشكر الله عليها، وذلك من فضل الله على عباده، إذ يصيبهم بما في ظاهره مشقة وعذاب، ثم يكشفه عنهم، فيعرفوا نعمة الله عليهم فيشكروه، ولم يكونوا ليشكروه لولا أن ابتلاهم، فإن الانغماس في النعم ينسي شكر المنعم، ويُطغي العبد فيقول إنما أوتيته على علم عندي، ويظن أنه يستحق تلك النعمة، وما يدري أنها امتحان من الله له لينظر هل يؤدي شكرها أم يكفر.

على أي حال فإن هذه الإجازة تعني أننا لن نسمع صافرات المعسكر المجاور المزعجة، أو ذلك القرع الشديد على الباب كل فجر من الجنود القدامى لنستيقظ بجسد مرهق من الإجهاد في الليلة السابقة، … لدينا الآن أسبوع من تلك النعمة قبل العودة إلى المعسكر مرة أخرى.

يومان على العرض العسكري

صورة035

 

ربما نسيت أن أذكر أن مدير السلاح قد أقام مؤتمرًا قبل بضعة أسابيع للترحيب بنا في صفوف القوات المسلحة، وأن جنديًا قام في نهاية المؤتمر يشتكي من قلة التدريب، وأن المدير نظر بعدها إلى قائد المعسكر قائلًا “يعملوا عرض عسكري” … . وأننا عدنا من إجازتنا لننخرط في تدريب شاق لقرابة عشر ساعات كل يوم لمدة أسبوعين على كيفية القيام بعرض عسكري!.

ودعني أصف لك تلك التدريبات، فبداية كان على الجنود أن يتعلموا كيف يقفون، فكنا نقف صافين أقدامنا بشكل مشدود، وأيدينا موجهة لأسفل بشكل منضبط حتى تنتهي في الأسفل وقبضاتنا خلف خط حياكة الزي العسكري، ورؤوسنا مرفوعة بشموخ ناظرة أمامها، وأنت تلبس حذاءًا غير مريح أبدًا “يعني للأدب استخدمت الكلمة” … وعليك أن تثبت في تلك الهيئة خمسًا وأربعين دقيقة على الأقل قبل أن ترتاح لمدة خمس دقائق “تلك الراحة تعني أن تفسح بين قدميك قليلًا وتضع يدك خلف ظهرك” ثم تعود لوضع الانتباه مرة أخرى، دون أن يهتز فيك مفصل واحد، تحت الشمس بالطبع، ثم يتكرر هذا التمرين على مدار اليوم، باستثناء راحة لصلاة الظهر، وراحة قرابة وقت الغذاء.
ويضاف إلى ذلك التدريب تمارين أخرى على كيفية المشي بشكل عسكري وعلى حمل السلاح بشكل صحيح وإبقاء يدك حاملة له في تدريبات ثبات كتلك التي شرحتها قبل قليل، إلا أنك هنا تكون مرتديًا مجموعة من الملابس المزخرفة “تشريفة”، وخوذة، وتحمل ذلك السلاح، ثم تقف في ثبات مرة أخرى، -دون أن يتحرك انعكاس الشمس على خوذتك-.

وللحق فإن تلك التدريبات قد أفادتنا كثيرًا على المستوى البدني والضبط والربط العسكري، فإن تمارين الثبات المشدودة تلك جعلت أجسامنا أشد قوة وأكثر صلابة، خاصة عند العضلات التي في منتصف الجسد، يعني أسفل الظهر وعضلات الفخذين والبطن، فصرت تشعر أن جسدك صار كأنه قطعة واحدة، أو أنه آلة مشدودة بإحكام متقن، هذا بخلاف أن تلك البنية الصلبة هي التي تساعدك على إطلاق النار من السلاح بثبات وأنت واقف أو وأنت تتحرك، بدلًا من اهتزاز جسدك مع ردة فعل السلاح، أو إمساكه بتراخي عند إطلاق النار فيندفع السلاح للخلف ويصدم عظام كتفك فيكسرها مثلًا.

غير أنني كنت أشتكي أحيانًا سوء الحذاء الذي كنا نلبسه، فقد كنت أعود من التدريبات لأجد جلد قدمي قد اهترأ من الأسفل، فكنت أستطيع أن أمسكه وأزيله بسهولة، وكأنه طبقة منفصلة أو جورب في قدمك، وليس جلدًا سميكًا قاسيًا مغلفًا لقدمك من أسفل!.

وأنا الآن أنظر إلينا بعد أسبوعين من التدريب، من كان يظن أن تلك الفوضى يمكن أن تتحول في أسبوعين إلى هذا البنيان المرصوص بإتقان وتناغم شديد يحسدون عليه؟! رغم أنه هناك بعض الأخطاء هنا وهناك، إلا أن الغالب الأعم من الجنود صاروا الآن على علم بأساسيات التعليم الأولي في العسكرية، وتبدلت ردود أفعالهم شيئًا فشيئًا إلى ردود أفعال من البيئة العسكرية في كل أمر يتلقوه.
وقد اهتم قائد كتيبتنا بتدريبنا بشكل شخصي، ولم يترك الأمر لمن وراءه من ضباط الصف والجنود القدامى، بعد أن عاتبه قائد المعسكر على سوء تنظيمنا مقارنة بالكتيبة الأولى في المعسكر، حتى تحسن مستوانا كثيرًا وصار قائد المعسكر يعيب على الكتيبة الأولى أنها في فوضى عارمة مقارنة بنا.
ووصل تدخله في تفاصيل أداء كل جندي إلى حد أنه كان يمشي بحذاء كل جندي في مشيته العسكرية ليجعله يحاكيه بشكل سليم، وأجهد نفسه في متابعة تلك التدريبات إلى أن بح صوته، وأرهقه السهر وجهدت عيناه، غير أن تعبه أثمر بنتيجة طيبة في النهاية.

وقد كان ذلك العقيد خاصة مختلفًا في أسلوب تدريبه عن بقية الضباط، فلم يكن يشتم أحدًا أو يعنفه بصورة مباشرة، بل يحدث من أمامه قائلًا لا تشتموا فلانًا ولا تصفوه أنه كذا وكذا “يشتمه”، فإنه جندي صالح، وإياكم أن تقولوا أنه كذا وكذا “يشتمه مرة أخرى”، فهو جندي ملتزم، … وهكذا، ولا أذكر أنه فقد رباطة جأشه إلا في مرة أو مرتين مع جنود أساؤوا الأدب وتجاوزوا.

تأخير ليوم العرض!

صورة036

 

أتى نائب مدير السلاح ليطمئن على أداء الجنود في تنفيذ العرض العسكري، وقد تطور الأمر كما يبدو إلى أننا سنؤدي العرض العسكري أمام مدير السلاح وقادة إدارة السلاح الموجودين بالمنطقة أجمعين، بعد أن كنا سنقوم به بحضور قائد المركز وانتهى الأمر! لهذا أظنهم أرسلوا نائب المدير أولًا ليطمئن على التنفيذ.
ولم يعجبه المستوى الذي كنا فيه، فقد علق على بعض الأخطاء هنا وهناك، ربما أطرف تلك الأخطاء أنه لمح جنديًا أو أكثر من معصوبي الأعين وهم يحاولون استراق النظر إلى السلاح الذي يفكوه ويركبونه مرة أخرى .. .
إضافة إلى أننا لم نكن نعلم بعد أن العرض العسكري سيتأخر موعده، وعلمنا فيما بعد أن أحد أسباب تأجيله هو الانتظار ريثما يدعون كل من أمكنه الحضور من الرتب الكبيرة في إدارة السلاح.

العرض العسكري

صورة037

 

نفذنا العرض العسكري في النهاية، بعرض اشتباك بالأيدي وفك وتركيب للسلاح من جنود معصوبي الأعين “بعد أن تدربوا بجدية هذه المرة حتى طوروا ذاكرة عضلات لفكه وتركيبه دون رؤيته”، وعروض مشية عسكرية وغير ذلك، وأقاموا حفل إفطار للجنود بهذه المناسبة، سمحوا لنا فيه بإحضار فرد من العائلة، ثم انتهت مدة التدريب العسكري بعدها بأيام ونقلنا إلى وحداتنا الأساسية.