دع النتائج تنبئهم

ظلت تلك القصاصة التي قطعتها من جريدة ورقية محفوظة في إحدى دهاليز محفظتي عدة سنوات، ولا أدري إلى الآن لمَ لم أسجل ما بها داخل دفتري كما أفعل بسائر خواطري ثم أتخلص منها، وكانت تحتوي دليلاً على جدوى مشروع في صناعة ما كنت أفكر كثيراً في إنشائه، وقد احتل ذلك المشروع أماكن وصفحات كثيرة داخل دفاتري تفرقت في السنين التي عاصرتها تلك الدفاتر والقراطيس التي أسجل فيها.

وفي الواقع لم أكن بحاجة إلى إبقائها لتذكير نفسي بجدوى ما أفكر فيه، لأنه مشروع كبير يحتاج إلى تمويل ضخم لا أملكه، ولم أكن أرغب آنذاك في الإتجاه إلى المستثمرين مباشرة. ولا كنت أبقيها لإقناع أحدهم بجدوى المشروع أيضاً، فلم أكن أحتاج أن يعرف به أحد سوى صديقي الذي يماثلني في اتجاه تفكيري ونظرتي لما يجب أن نعمل فيه ونحسّنه.

 

وفي صباح يوم لطيف من بداية فترة التحاقي بالجيش، أظن أننا كنا في جمع لأحد الطوابير الروتينية إذ اقترب مني ضابط وأخذ يمازحني مزاح المُغضَب الساخر، فلم أكن أروق له في بداية الأمر ولا لقائد السريّة التي أتبعها إذ كان يقف بجانبه يضحك مما يحدث.

ثم زاد من مستوى مزاحه ذلك إلى أن وضع يده في جيبي وأخرج محفظتي يفتشها وهو يقول لي “ألا تعلم أنه يمنع وضع المتعلقات الشخصية داخل الزي العسكري؟”، حسناً كلا، لم أكن أعرف!، فلا زلنا جنودا حديثي العهد بالعسكرية!.

واستوقفته تلك القصاصة الخضراء المطوية داخل أحد جوانب المحفظة، فأخرجها وأخذ يقرأ ما بها وهو يسألني ساخراً عما بها وعن سبب احتفاظي بها، وينظر إلى صديقه قائد السرية متندراً مما يقرأ، وكل ذلك وأنا أجيبه عما يسأله غاضّاً الطرف عن سخريته ومخفياً لأي مظاهر امتعاض أو ضيق مما يفعله. وزاد الطين بلة أن أتى ضابط ثالث من داخل مبنى القيادة ليجد تلك الحفلة قائمة فانضم إليها وإن كان لم يسأل كثيراً عن سبب بدئها، بل فضل المشاركة على الفور.

وما جنيت مما حدث إلا انتقاص مكانتي بسبب سخرية أشخاص لم يكن لهم أن يعرفوا شيئاً عن ذلك المشروع ولا تلك الصناعة من الأصل، بالطبع أنا لم أكن لأخبرهم بها أبداً من تلقاء نفسي، ولولا أني لا أحب إثارة المشاكل من أمور تافهة لما حدث ذلك. لكن بأي حال، فقد تعلمت بالطريقة الصعبة أن بعض المعلومات لا يجب أن تخرج في صورها الأولية لكل الناس.

فقد تجد من يعارضك لمجرد المعارضة، ومن يسخر منك، ومن تثير لديه مثل تلك الأمور غريزة الجدل لديه وينطلق قبل أن يعرف حتى لماذا يجادل وفي أي صف هو وماذا يريد من الجدال، وغير هؤلاء من أصناف البشر الذين يمكن أن تقابلهم، ومن يكرهك أو لا يحب لك الخير أصلاً، وما أفكارك وحركاتك وسكناتك إلا بيئة خصبة له للتندر عليك.

وتلك الأخيرة كانت حالتي التي ذكرتها مع ذلك الضابط، إذ أنه قائد موقعي، وصديقه قائد سريتنا، وقد مرّ علينا عميد في وقت سابق في بعض الإجراءات الروتينية، وكنت حاضراً حينها فسألني بضعة أسئلة من بينها أسئلة عن مؤهلي التعليمي وما أفعله حالياً ومستوى دراستي وغير ذلك.

 

في الظروف الطبيعية، فإن رد الفعل على السؤال هو الإجابة، وطالما أن المعلومة ليست على درجة من السرية أو أني لا أجد ضيراً في  أن تعرفها فسأخبرك!، لكن هذا لم يكن الحال مع العسكرية، إذ أن أسئلته قادتني إلى أن أخبره بامتحانات لدي آنذاك، وأظن أنه كان عميداً مهندساً، فلما عرف أن تلك الإمتحانات بينها امتحانات فيزياء، سألني بضعة أسئلة فيها، وأظن أني أخطأت في أحدها، فتوجه إلى قائد موقعي ليسأله نفس السؤال أو غيره تقريباً، بما أن أغلب الضباط والصناع العسكريين في سلاحنا لديهم خلفيات تقنية ومعرفية عالية نوعاً ما.

وأحسب أن ذلك الضابط لم يهتد إلى الإجابة، فسبب له ذلك إحراجاً أمام ذلك العميد، فأوغر ذلك صدره علي من باب أني لو لم أتكلم من الأساس لما حدث ذلك. فكان ذلك سبباً لاتخاذي محل سخرية لديه ولدى صديقه مدة من خدمتي العسكرية، حتى تحسنت علاقتي بأولئك الضباط لاحقاً “مرة أخرى لا أذكر السبب، لكني أظنه السبب المعتاد للفكرة الخاطئة التي تأخذها عن INTJ ثم يتبين لك عكسها”، إذ أخبرني قائد السرية يوماً أني أعجبه لطموحي.

بأي حال فمهما يكن السبب، فإنه سبب لي تجربة سيئة مع أحد أفكاري التي أبني عليها نموذجاً تجارياً، ولولا فضل الله علي ورحمته لكان مصيرها سلة المهملات إن كنت افكر بعاطفتي أو لم يكن لدي هدف وهمٌّ يجبراني على التحمل والصبر.

 

الشاهد من تلك القصة هو إبقاء أهدافك وأفكارك لنفسك، فبالإضافة إلى أن عزيمتك لن تخور نتيجة ثناء الناس عليك وعلى فكرتك أو مشروعك قبل أن تنجزه، فتحصل على إحساس كاذب خادع بالإنجاز، فإنك ستحفظ نفسك من ثقلاء الظل ومن لا يفهمون ما تفعل بالضرورة. وقل مثل ذلك على المشاكل التي تواجهك أيضاً، فنادراً ما أطلع أحداً على مشكلة ما، إلا الأطراف التي تعنيها تلك المشكلة بصورة مباشرة، أي أنهم إما طرف فيها أو طرف في حلها، فقط.

 

بل حتى قد تأتي مثبطات الهمة من أقرب الناس إليك وهم يحسبون أنهم يحمونك من نفسك، إذ حدثني أبي قبل عدة سنوات بشأن ما أريد فعله والغاية التي تجعلني أصبر على المحاولة عاماً بعد عام في الإلتحاق بالهندسة “كان ذلك قبل عدة أعوام كنت أحاول فيها الإلتحاق بكلية الهندسة”.

فحدثت أبي مباشرة عن الغاية التي أريد الهندسة من أجلها، فلم يرد عليّ ظناً أني واهم، ثم لما عدنا إلى المنزل أتيت له بدفاتري وأخرجت له بعض المشروعات التي أفكر في الخوض فيها، ولعله زاد اقتناعاً أني غض العود لا أدرك العالم الحقيقي من حولي.

وكان ذلك بالطبع قبل تعرفي إلى نظرية MBTI، وإلا لكنت تجنبت الحديث إليه تماماً بشأن تلك الموضوعات، إذ أن أبي ISTJ في الخمسينات من عمره، وأنا INTJ لا زلت في العشرين أو نحوها، هذا يعني بكلمات أخرى أننا خطين متوازيين لا يلتقيان في التفكير، ففي حين أضع أنا الخطوط العريضة في حديثي إليه، فإنه يحتاج أن أفصل له الأمر خطوة خطوة على المستوى القريب بحوادث فعلية تمت تجربتها من قبل أناس آخرين عاصرهم بنفسه ويثق فيهم، وأن أعرف ما سأفعله بالضبط في كل تفصيل من المشروع.

وهذا ما لا أستطيع فعله أبداً، فليست تلك الطريقة التي يعمل بها عقلي، لكن لأني كنت أعتقد أني وأبي نفكر بنفس الطريقة، فقد كنت أحدثه بنفس منطقي، لكنه لم يكن ليستجب أبداً، وله حقه في هذا، فزيادة على جانب الشخصية وطريقة التفكير، فإنه أبي، وأنا ابنه البكر، فهو يريد أن يطمئن على مستقبلي، خاصة أنه كان يضع علي آمالاً عريضة جداً حتى قبل ولادتي، ربما كان بدايتها اختيار اسمي “تيمناً بأسامة بن زيد”.

وكان وقع ذلك الموقف علي أشد من الأول، إذ أني قد لا أهتم لرأي أحد على ظهر الأرض ولا أن يرضى عما أفعله قدر ما أهتم لرأي أبي، وأحزنني بالطبع ما أفضى إليه ذلك الحديث أحادي الجانب، فخارت عزيمتي إلى حد ما، وكسلت نفسي عن السعي في إخراج تلك الأفكار إلى النور، وكان نتيجة لذلك التأخير أن وجدت شركة نفذت إحدى الأفكار التي فصلتها في دفاتري على مدى قريب من عامين، وأقامَت عليها نموذجاً ربحياً جيداً، وأطلقتحملة لجمع تمويل من موقع kickstarter، لم ينفذوا فكرتي بشكل كامل، لكن بها ثلاثة أرباع ما كنت أريد بناءه.

لم أجدها على kickstarter حين بحثت عنها وأنا أكتب هذا المقال، لكني وجدت شركة تبحث في إنتاج شئ مشابه، أريدك أن تطلع عليها لتعلم كم كانت تلك الفكرة لتصير رائعة، فقط لو أني أبقيت فمي مغلقاً وانكببت على عملي.


تحديث: ارتأيت إضافة أحد الأجزاء التي سجلتها لتلك الفكرة، وكما ترى من العدد VII، فهي التسجيل رقم 7 لتلك الفكرة، حين خطر ببالي إضافة خاصية جديدة.

ورقة توضح تسجيلاً لخاصية وددت إضافتها في مشروع للوحة مفاتيح


 

فعلى أي حال، فإن ما عليك فعله في كل تلك الحالات أن تتجنب الحديث عن أفكارك إلا في حالات الضرورة القصوى التي تعلم أو ترجو منها فائدة أو تغيير أو عائد ينفعك، وإلا فأمسك عليك لسانك، وامض فيما تفعل إن كنت على بينة منه حتى يتم الله لك أمرك، فحينها ستتكفل النتائج بشرح موقفك بصورة لم تكن لتفعلها لو قضيت أسابيع في إقناع من يسفه فكرتك.