الشيخ حسن عبد الستير

أخبرني شاب في مدينتي قبل أيام من موعد معرفتي أي سلاح سألتحق به -أو ما إذا كانت خدمتي العسكرية ستؤجل أصلًا، لكن ذلك احتمال بعيد في ظل الظروف التي كانت تمر بها البلاد-، أن هناك شيخًا سيعقد دروسًا مكثفة لمدة ثلاثة أيام في مسجد بمدينة مجاورة، وسألني إن كنت أريد الذهاب معهم، فوافقت، وسافرنا بالفعل.
كانت لدي مذاكرة وقتها بسبب امتحانات لالتحاق بالهندسة بعد بضعة أشهر، ولم أدر ما أفعل بين هذه الدراسة وتلك، فكنت أريد تحصيل ما أستطيع من مذاكرة للهندسة قبل أن ألتحق بالعسكرية، لأني لا أعرف بعد بأي سلاح سألتحق ولا إلى أي مكان سيرسلونني، لكني في نفس الوقت أريد تعلم ديني وعقيدتي التي أعيش بها، فانتظرت حتى نهاية اليوم الأول ثم استوقفت الشيخ على باب المسجد لأسأله.

نظر الشيخ إلي مبتسمًا حتى أنهيت مسألتي، ثم وضع يده على كتفي، وقال “ما لا يُدرَك كله، لا يُترك جُلُّه!، ومن يدري يا ولدي! لعلك تكون مثلي في سلاح (..)!، ثم يرسلوك لموقع تجلس فيه إلى (..) منتظرًا إشارة من هنا أو هناك، وتذاكر كما تشاء!.

وقد كان ما قال الشيخ تمامًا!، فقد أُرسلت إلى سلاح (..)، وأنا الآن أجلس إلى (..) الذي تحدث عنه الشيخ، منتظرًا إشارة ما!، لعله دعا لي واستجاب الله له، من يدري!؟ وكنت قد نسيت مقالته زمنًا، حتى خرجت من مركز التدريب إلى وحدة في الصحراء، ومنها إلى إحدى كتائبها في (..) حسنًا لنقل أنه مكان آخر، ومن تلك الأخيرة إلى أحد مواقعها. -لاحقًا، نقلت مرة أخرى بناءً على طلبي إلى موقع آخر كي أتفرغ لمذاكرتي، ثم عدت إلى الموقع الأول، وتكرر الأمر مرة أخرى قبل أن أستقر في موقعي الأول بعد نهاية امتحاناتي-.

وإنني أنظر الآن إلى هذا المكان الذي أنا فيه، تحت الأرض، في غرف معزولة عن العالم الخارجي، ولا نداءات، ولا اصطفافات، ولا أي من ذلك، وقد أنعم الله علي بأناس في هذا المكان يجبرونك أن تحبهم، فيخشون عليك كأخيهم الصغير، ويسكتون عن أخطائك وإن كثرت وتكررت، هل أنا في عسكرية بعد الآن؟ … ربما!.