إعصار

الإعصار

 

تأتي علي أوقات من حين ﻵخر أشعر فيها بغشاوة كالضباب يلف رأسي، فربما أرى جيداً بعيني، وأشعر جيداً بما يدور داخل عقلي، لكني ﻻ أراه بوضوح، أو .. ﻻ أراهم بوضوح.

قررت أن أسمي تلك الحالة بالإعصار، فرأسي حينها تحمل الكثير من الأفكار والخواطر والخطط والمهام وغير ذلك، لكنها تدور بعنف في رأسي، وأنظر إليها فلا أكاد أتبين منها شيئاً، لكني أشعر بإحداها حين تترك مركز الإعصار وترتطم في جدار دماغي، فأفزع إلى قلمي أسجلها، لكني ما إن أكتب بضعة أسطر حتى تتلاشى من رأسي!، وتعود لتدور بعنف في مركز ذلك الإعصار.

وقد كنت أحاول في كل مرة يظهر فيها ذلك الإعصار أن أقاومه أو أوقفه أو أنقذ ما يمكنني إنقاذه من رأسي. لكني في كل مرة أرجع خائباً، وحين يصفو دماغي من آثاره أجد أشلاء أفكاري ممزقة وعالقة هنا وهناك، قد اختلط بعضها ببعض، وضاع بعضها الآخر، فيما بقيت آثار من بعض ما كنت أعمل عليه، إن وجدت الرأس فقدت الجسد، وإن وجدت الجسد فقدت الرأس.

أعتقد أن أفضل فترة عالجت فيها ذلك الإعصار كانت أيام العسكرية، حيث وجدت أن أفضل طريقة لتفادي الخسارة أن أثبت كل فكرة أولاً بأول في مكان آمن خارج رأسي، بدلاً من تركها هائمة تسبح في فضاء عقلي. هذا قبل الكارثة، أما حين ظهور ذلك الإعصار، فإنني ﻻ أحاول مقاومته بأي شكل كان، بل ﻻ أقترب منه حتى، وإنما أظل بعيداً عنه أراقبه بهدوء حتى ينتهي، ﻻ أحاول تسجيل أي فكرة، وﻻ أستجيب لما كان يدفعني إليه من قبل من الدوران في دائرة مفرغة باحثاً عن حل ﻹنهائه، فأنا مطمئن إلى أن أفكاري في أمان، فقد سجلتها في دفتري من قبل.

وقد اكتشفت حين عالجت الأمر بتلك الطريقة مرة بعد مرة، أن ذلك الإعصار هو أحد أجهزة الإنذار المصممة لحمايتي من نفسي، وأنا الذي كنت أظنه عدواً لي من قبل!

فقد ﻻحظت أنه ﻻ يظهر إﻻ حين تتراكم الأفكار في رأسي دون تنفيذ ﻷي منها، أو حين أضع خطة ثم أتكاسل في تنفيذها وأظل أعدل فيها كل حين وأضيف إليها من هنا وهناك، وأمد في أجلها مرة بعد مرة، فتتحول إلى شئ بشع ذي أذرع كثيرة وأعضاء متشايكة متداخلة، بعد أن كانت رسماً هندسياً بديعاً وقفت أتأمله حين صممته.

في تلك المرحلة يظهر ذلك الإعصار لينظف آثار تلك الفوضى، أو لينبهني إلى فترة خمول طالت دون عمل، أو إلى خطة عمل أو مذاكرة تشعبت وتمددت دون تنفيذ. وقد يظهر بسبب مؤثر خارجي كخطبة أو موقف أو مشهد ما، وهذا أكثر ما يحدثه، أو يظهر في مرحلة متأخرة قبل وقوع كارثة كإنذار آلي لخطر محدق.

ولما تحولت إلى تسجيل الأفكار في مستودع خارجي منظم، ﻻحظت تغيراً في المدة بين كل إعصار والتالي له، فقد تباعدت بشكل ملحوظ، وصار رأسي أصفى من ذي قبل، فكلما أتت فكرة قمت إليها فسجلتها بكاملها في دفتري أول ما تظهر، وﻻ أؤخر ذلك تحت أي ظرف، حتى إذا قمت منها صرفت طاقتي إلى ما أريد إنجازه بدون تشتت وﻻ إلهاء.

في إحدى المرات أيام الخدمة العسكرية، كنت قد وضعت جنبي على فراشي لتوي فأتتني خاطرة كنت أبحث عن حل لها لعدة أيام ولم أوفق إليه، فقمت من فوري وفتحت الحاسوب وكتبتها كاملة، ثم عدت ﻷنام مباشرة، فيما بعد صارت تلك الخاطرة من أوائل ما نشرته في أراجيك، بعد ما يزيد عن العام على تلك الليلة.

وقس على ذلك ما كنت أفعله بدفترين سجلت فيهما أحداث سنتين أو ثلاثة، ما أردت تذكره، موقف أخطأت فيه وأردت أن أعيده مرة أخرى أمامي ﻷرى أين أخطأت وكيف يمكنني أﻻ أكرر الخطأ، مشروع أريد تنفيذه في المستقبل، وكلما طرأ جديد عليه سجلته في دفتري، فقد تجده مقسماً على خمسة أو ستة أجزاء موزعة على مدار سنة ونصف مثلاً.

ذلك أفضل من الإعتماد على عقلي ليحمل كل ذلك، فبالمقارنة بالفترة التي لم أكن أسجل فيها، فإنني كنت ﻷقوم في الصباح التالي مرهقاً بسبب الفكرة التي أخذت تدور بعنف في رأسي في الليلة السابقة ومنعتني النوم، والتي ﻻ أذكرها الآن للأسف، بتلك الطريقة فإنني خسرت الفكرة وخسرت بداية صحية ليوم جديد، فإنني أقوم الآن كالذي يتخبطه الشيطان من المس بسبب قلة النوم، وقد حدث ذلك كثيراً للأسف.

أما حين أسجل تلك الفكرة، فإنني أنصرف بكامل عقلي إلى ما أعمل عليه، حتى إذا ظهرت فكرة أخرى انطلقت إلى قلمي فسجلتها ثم أعود لعملي مرة أخرى، وهكذا. إن أفضل فترة قمت فيها بذلك وأعطتني مساحة وقت وصفاء ذهن ﻻ بأس بها كان أيام طلبي لدراسة الهندسة، واحتياجي لبيئة مناسبة للمذاكرة، وقد كان ذلك بغرفة صغيرة بقاعدة جوية، أجلس فيها إلى طاولة صغيرة، فإذا بدت فكرة تريد صرفي إليها سجلتها في دفتري ثم عدت إلى المذاكرة، وقد خرجت في تلك الفترة بمذاكرة لم أكن أحلم بنصفها طول عمري!.

شئ آخر، كنت أحتاج أحياناً إلى إراحة رأسي، ذلك أن أغلب نشاطي الذي أقوم به كان يعتمد بشكل كبير على عقلي، سواء كان مذاكرة أو قراءة أو مشاهدة أو غير ذلك، فإن مثَلَ ذلك كمن يبحر في قناة يطفو على سطحها الكثير من الأعشاب والطحالب، فكلما اخترقها علقت به تلك الأعشاب، فيخرج منها محملاً بزوائد ﻻ يريدها، وسيقضي وقتاً في التخلص منها ﻻحقاً.

فكنت أنصرف إلى بعض هواياتي التي أستخدم فيها يدي، كالتصوير وكتابة آيات أو أبيات ببعض الخطوط العربية التي أفضلها، أو ممارسة بعض الرياضة، أو في بعض الأوقات اتخاذ معزل عن الناس في مكان هادئ، ومراقبة الكون من حولي، ﻻ أفعل أي شئ آخر، فقط أراقب الكون، وكنت في تلك الفترة أفضل الذهاب إلى الجهة الخلفية من المبنى الذي تقع غرفتي به، والذي كان يواجه مهجعاً للطائرات ينتهي بمدرج طويل، تستخدمه القاعدة التي أخدم بها كما تستخدمه طائرات مطار مدني قريب، كان ذلك شيئاطالما حلمت به، فكان عقلي يستريح كثيراً بسبب انصرافي عنه إلى ما أرى.

ربما كان ذلك يسمح ببعض الفسحة في الطريق من رأسي إلى يدي، فتنطلق في الكتابة دون أن تقف مشتتة حائرة، وكان يفسح مكاناً كبيراً في رأسي فأعود إلى مذاكرتي خفيف الرأس وصافي الذهن، وقد أدهشني ما أنجزته في تلك الفترة من عمل مقارنة بباقي حياتي كلها، والتي قاربت على مشارف ربع قرن إﻻ قليلاً، إلى حد أنني قررت كتابة مقال عن الأمر أسميه أربعين يوماً في الجنة، لكثرة ما وجدت من الخير فيها.

إذاً ﻷلخص لك الأمر مرة أخرى إن كنت تجد مثل ما أجد، أنا لم أكن أعاني من نقص في اﻷفكار وﻻ فقر في الإبداع وﻻ غير ذلك مما كنت أظنه، وإنما كنت أشتكي بعض الكسل الذي كان يمنعني من إنجاز مهماتي في وقتها، مما يراكم علي المزيد من العمل، وتتراكم الأفكار حينها في رأسي ككومة ورق ينتظر أن يراجع، فتشعر أنك تريد تنفيذ الكثير من المهمات لكن ﻻ تجد وقتاً لذلك، وتبدأ في الإحساس بالضغط الذي يدفع ذلك الإعصار للظهور مرة أخرى في محاولة لتنظيف رأسك مما ألم بها.

في هذه الحالة أعتقد أن عليك معاملة عقلك كحاسوب، ويدك كطابعة، إذا لم تعرف كيف تعطي الطابعة أوامر مرتبة من رأسك فستغرق الطابعة بالكثير والكثير من الأوامر التي تحتاج إلى طباعة، وستزدحم اﻷوراق في الطابعة وتحصل في النهاية على نتيجة بشعة مزرية.

والحل هو إيقاف أياً ما يكن الذي تفعله الآن، والدخول في حالة من الهدوء حتى تهدأ العاصفة، وتعيد ترتيب أوراقك من جديد وفقاً لهدف تضعه لنفسك، لكي تعرف الترتيب الصحيح ﻷوراقك، فبدون هدف فإن كل الأفكار تبدو جميلة وتدفعك لتنفيذها. ثم ابدأ بعدها في تنفيذ تلك الأفكار في ترتيب واضح ومحدد حسب خطة تضعها لنفسك وتجعلها مرئية أمامك على حائط أو نحو ذلك حسب ما يناسبك.

وإن طرأ لك في أثناء ذلك فكرة أو خطة أو مساحة تدبر في موقف حدث لك أو أمامك، فسارع بتسجيله في دفتر لديك أو على حاسوبك، لتفصله أمامك من ناحية، ولتتخلص من فوضى على وشك الحدوث من ناحية أخرى.